Posts tagged guest post

The streets belong to us

image


 على محمد


يوميات
الشارع مقفول، مفيش دخول من هنا
ماشى من هنا ليه؟ رايح فين؟
ممنوع الوقفة هنا بعد السور لو عايز تقف
محدش يقعد على النجيله اللى فى الشارع هنا، التعليمات كده
افتحولنا محطة السادات بقى كفايه عطلة
مش هتعرف تدخل من هنا قافلين عشان القسم


دى عبارات ممكن تسمعها فى الشارع لو كان حظك سعيد و لقيت حد يكلم معاك و غالبا مش هيقدملك تفسير لأن دى تعليمات، فى الأغلب مش هتلاقى حد لكن هتلاقى حاجات زى اللى فى الصورة اللى فوق يعنى جدار خرسانى، أسلاك شائكة، حواجز حديد، سواتر رمليه…………..إلخ


الحق فى المدينة هى فكرة و شعار قدمهما هنرى ليفيفر عام 1968 فى كتابه الحق فى المدينة و لخص فكرته فى أنها طلب لتغيير و تجديد المدخل للحياة الحضرية فى المدينة
a “demand…[for] a transformed and renewed access to urban life”
وصف دافيد هارفى فكرة الحق فى المدينة على أنه أبعد من الحرية الفردية للوصول للموارد الحضرية بأنه الحق فى تغيير أنفسنا بتغيير المدينة ، الحرية لصناعة و اعادة صناعة أنفسنا و مدننا كأحد أهم و أغلى و مؤخرا أحد أكثر حقوق الإنسان المهملة

شوارع المدينة و فراغتها العامة هى المساحة التى تتفاعل و تتلاقى فيها كل طبقات المجتمع.ما نشاهده يوميا فى شوارع و طرقات المدينة هو انعكاس للسياسات المختلفة للدولة التى من المفترض أن تصب فى صالح المواطن و تعمل على تيسير شئون حياته اليوميه من تنقلات و غيره. المدينة بمختلف أركانها من فراغات عامة و شوارع و ميادين ….. إلخ هى ملك للشعب، ملك للمواطن الذى يفترض أن يقوم بإختيار مجموعة من المسئوليين لإدارة الشئون المختلفة للمدينة بدئا من ممثلى المحليات انتهائا الى رأس النظام على أن تكون الخطوط العريضة للسياسة العامة للدولة انعكاسا لرغبات المواطن و طموحاته. المواطن المالك الوحيد و الحقيقى لهذا الوطن و ليس العكس. من حق هذا المواطن أن يشارك فى صنع القرار و أن يكون له تمثيل مباشر فى المحليات و المجالس الشعبية و أن يعرف على أى أساس يتم اتخاذ قرارات مصيرية تنعكس على حياته اليومية و من المسئول عن تقرير مصير هذه الفراغات و الممتلكات العامة و هذه الشوارع، كم من ميزانية الدولة يتم صرفه فى أعمال الصيانة، هل هذه هى الطريقه المثلى أم لا؟  من المسئول عن فتح أو اغلاق طريق أو ما شابه؟ من الممثل الفعلى للمواطن فى المحليات الذى يمكن أن يعكس متطلباته؟ هل المدينة حقا ملك لقاطنيها أم فى بلادنا هى ملك جهات أخرى؟

    
استقطاع أجزاء من المدينة


الحديقة الدولية، مدينة نصر، القاهرة

image

نموذج لضم الشارع لأحد المبانى العسكرية التى تخدم المدنيين، تم اقامة سور و بوابة و تحول الشارع من ملكية عامة للدولة يتم استخدامه من قبل المواطنين يوميا إلى جزء من المبنى و ملكية خاصة


محيط قصر الاتحاديه، الكوربه، القاهرة

image

image

فى البداية تم ضم جانب واحد من امتداد شارع ابراهيم اللقانى فى اتجاه الكوربه و إنشاء بوابة حديد و أصبح أحد اتجاهات الشارع جزء من قصر الاتحاديه
image

image

بعد ذلك بفترة قصيرة تم غلق الشارع ببلوكات خرسانة أمام السور و البوابة السابق إضافتها و أصبح الشارع مغلق فى الإتجاهين، الشارع  يعتبر المنفذ الأخير لتجنب زحام شارع بغداد و الكوربه والوصول إلى صلاح سالم و يخدم نسبه كبيرة من سكان مصر الجديدة


شارع القصر العينى، القاهرة

image

image

 
بعد غلق شارع محورى مثل القصر العينى و الشوارع المحيطة لفترة أكثر من عامين تم استبدال الحاجز الخرسانى ببوابات معدنية أشبه بالمعابر الحدودية  ذلك بالإضافة لاستمرار الحوائط الخرسانية فى محيط مجلس الوزراء و عدة أماكن فى الجانب الأخر من الشارع بجاردن سيتى. البوابة و من قبلها الحائط الخرسانى تتسبب فى تكدس المرور يوميا بالشارع و تحويل حركة المرور يسارا و دورانها حول البوابه حتى تصل إلى الميدان

سيدى جابر، الأسكندريه

image

تم غلق شارع المشير و هو أحد الشوارع الرئيسية بالمدينة يخدم كثافة مرورية عالية من طريق الحريه حتى طريق الكورنيش و تم تحويل مسار السيارات من بعد طريق الترام ليلتقى مع كثافة مرورية قادمة من شارع بورسعيد و تحويلهم جميعا لأحد الشوارع الضيقه المؤدية للكورنيش بإعتباره المخرج الوحيد المتبقى للعبور إلى الجانب الأخر

 ميدان وابور المياه، الأسكندريه

image

فى البدايه تم غلق أحد الإتجاهات و الان تم غلق الشارع بالكامل لمجرد وجود قسم شرطة فى أول الشارع، الشارع فى الصباح يخدم كثافة مرورية و طلبة مدارس و مشاه بإعتباره المدخل شبه الوحيد للحى من طريق الحريه و البديل يخلق أكثر من عنق زجاجة فى الشوارع المحيطة


ترام مدينة نصر و مصر الجديدة، القاهرة

image

image


طريق الترام بدلا من إمداده بعربات جديدة و تشجيع المواطنين على استخدامها لتخفيف الزحام و استغلاله كوسيلة مواصلات بإعتبار القضبان و الشبكات هى الجزء الأصعب و الأكثر كلفة و العربات هى الجزء الأرخص و الأسهل يتم تغطيتها بالرمال تمهيدا لتحويلها لرصيف أو استغلالها كجزء من الطريق، بعد ذلك تم خلع القضبان بالفعل و خلع البنية التحتية بالكامل و تركها على جانب الطريق

هذه التحولات هى ملاحظات سريعة ليوميات مواطن يتجول فى المدينة ذهابا و إيابا، بعض الظواهر و التحولات التى تم رصدها على سبيل المثال و ليس الحصر


 ممنوع


 بدأت ظاهره المنع أو الغلق منذ اندلاع الثورة خاصة فى الأماكن التى شهدت أحداث عنف مثل محمد محمود و مجلس الوزراء و أحداث الاتحاديه و غيرها. ظهرت فكرة الحائط الخرسانى المكون من بلوكات أسمنتية تحول دون الوصول إلى مبنى معين أو تغلق شارع معين بأكمله و تعوق معها حركة المرور و المشاه. الغريب أن وجود بعض هذه البلوكات لم يعد له سبب و لكنه متروك فقط لعدم الاهتمام برفعه و ليس أكثر مثل بعض الشوارع أمام نادى هليوبليس. مؤخرا أصبح الغلق بالحواجز المعدنية و أكياس الرمال خصوصا حول جميع أقسام الشرطة التى أصبحت كابوسا يعرقل حركه المرور فى أى شارع يمر بها، يتم تحويل حركة المرور حولها و فى حالة وجود مبنى أكثر أهمية يمكن غلق محيط المبنى بأكمله بما فى ذلك الشوارع المؤديه المنازل المحيطة. الغلق ليس فقط للشوارع و لكن أيضا لمحطات مترو الأنفاق. يمكن تخيل العناء الذى يتكبده مستخدمى المترو يوميا نتيجة غلق محطة محورية مثل محطة السادات و حجم الضغط على محطة رمسيس كحل وحيد للتحويل بين خطى المترو

الرصيف ليس للمشاه


 الأسلاك الشائكه هى السمه المميزه للأرصفه فى مصر مع الحواجز الخرسانيه المنحنيه المرتفعه و لعل شارع الثوره و الميرغنى و مناطق كثيره بمصر الجديده و مدينة نصر مثال صارخ على ذلك فى الفتره الأخيره. غير متاح استخدام الأرصفه للمشاه بهذه المناطق بل قد يمتد التعدى لأجزاء من الشارع لتجد نفسك مضطرا للمشى بجانب السيارات و أنت ترى الرصيف و لكن لا تستطيع استخدامه. فى بعض الأحيان يتم استخدام هذه الحواجز لخلق سور أمام السور على حساب الرصيف ثم وضع حاجز معدنى أمام السور الجديد على حساب حاره من الطريق.  و هو أحد الأشياء الغير مفهومه فإذا كان السور الأصلى لحماية مبنى معين فلم بناء سور أمام السور على حساب مستخدمى الطريق من مشاه و مركبات

الشارع جزء من المبنى


يمكن أن تستيقظ صباحا لتجد أحد الشوارع و قد اختفى تماما و أصبح جزء من مبنى قائم. يتم وضع بوابة حديدية مع سور مبانى أو سور معدنى و يصبح الشارع جزء لا يتجزأ من المبنى و فى هذه الحالة ليس فقط سور على السور و لكن بوابة على البوابة و مشاه و مرور يبحثون لأنفسهم عن بديل للوصول لمقصدهم. عندما يتم وضع بوابة أو ضم جزء من المدينة فهذا يمثل تعدى على حقوق المواطن فى مدينته و فى أى مكان يطبق فيه أدنى درجات القانون يجب محاسبة و معرفة من المسئول و إلا أصبح استباحة الطرق العامه أمرا عاديا و لكل حجته. فإذا كانت الدولة تفعل ذلك إقرارا للأمن فأولى لنا أن نستوعب أن يتعدى بائع على الطريق من أجل قوت يومه، ينبغى للدولة أن تكون مثالا فى تطبيق القانون و الحفاظ على حق المواطن فى الشارع و حق المشاه فى الرصيف و ليس العكس


محاولات تطويع المدينة باستقطاع أجزاء منها لظروف أمنية هو استمرار لسياسات فرض السيطرة من الدوله عن طريق تقييد الفراغ العام و سلب حق المواطن فى المدينة سواء بوضع حواجز أو أسوار أو غلق شوارع و محوها من ذاكرة المدينة و مع الوقت و بالتبعية يتم محوها من ذاكرة المواطن فيعتاد على ذلك. ما حدث فى يناير 2010 أن الشعب استعاد مدينته فى التحرير، مدينة لا يوجد بها حدود و لا عزل طبقى، مدينة لا يوجد بها أسوار على الكوبرى ولا على الدائرى لحجب المناطق الفقيرة عن أعين المارة و لا بها مجتمعات مسورة لحماية الطبقات الغنية من تطفل الاخرين، مدينة لا يوجد بها بوابات حديدية على الميادين أشبه بالمعابر الحدودية. اليوم الدولة تعيد السيطرة من خلال إعادة هذا التقييد و وضع حواجز تزيد من تفتيت المدينة و المجتمع و تحجيم حركة الناس و حصارهم فى إطار ضيق. المشكلة تكمن فى عدم وجود اليات تمكن المواطن من تقرير مصير هذه الفراغات و كأن هناك حرب خفية بين الدولة و المواطن تقوم الدولة فيها  بفرض سيطرتها من خلال قرارات فوقية لا يتم إشراك المواطن فى أى مرحلة من مراحل اتخاذها و على الجانب الاخر لا يخضع متخذ القرار لأى الية من اليات المحاسبة فى حال تعارض هذه القرارات مع مصالح المواطن اليومية. يتم إتخاذ هذه القرارات فى الغرف المغلقة كما يسمونها و يفاجأ بها المواطن صباح كل يوم. هذا و حتى تعود المدينه لأهلها و حتى تكون القرارات على الأرض ترجمه لرغبات المواطن و ليس السلطه سيظل السؤال الشارع لمين؟ ….الشارع لنا


"The city may be dead;" Lefebvre seems to say, but "long live the city!"

Who pays more for the “public good”

 [حشد سكان الزمالك للمطالبة في حقهم في حي بدون تعديات وفي حقهم في الادلاء برآيهم في مشاريع قد تآثر على حيهم بصورة سلبية. مصدر الصورة]

دينا لطفي

منذ بداية القرن الماضي وحتي اللحظة، ومن أجل “الهدف الأسمي” و “الصورة الحضارية” و”المصلحة الوطنية”؛ أُغرقت قري بأكملها، وهُجّرت آلاف العائلات، وأزيلت آلاف المساكن، وتم اخلاء آلاف المواطنين بشكل قسري، ولم يتم تعويضهم بالشكل العادل. جدير بالذكر أن هذا ليس محل تقييم لتلك المشروعات، ولا بحث عمّا اذا كان هناك بدائل لتنفيذها بخسائر أقلّ، فكلٍ من المشروعات كان له مؤيديه ومعارضيه، وكلٌ له أسبابه، وإنما هذا تساؤل آخر؛ عن نظرة الدولة للمواطن. فهل حقاً جميع المواطنين بالنسبة للدولة سواء كما تنص الدساتير؟


أنشأ سكان حي الزمالك في أواخر ٢٠١١ مجلس إدارة جديد لجمعية الزمالك، ورغم تعدد أنشطتهم على المستوى المحلي، إلا أن قضية مترو الأنفاق كانت الأبرز. لعل توحُّد سكان حي الزمالك وقيامهم بالحشد وراء مطلب يعتبروه حقاً من حقوقهم هو أمر ايجابي لا شك، فانّ ما يسعي اليه المجتمع المدني والمهتمين بمجال العمران بشكل عام هو تعريف المواطنين بحقوقهم، وحثّهم علي المطالبة بها، وصياغة تطلعاتهم المتعلقة بمناطق سكنهم من أجل مشاركة فعّالة في صناعة القرار المحلي


وقد كان اعتراض سكان الزمالك الأساسي لأسباب فنية جديرة بالفعل بالدراسة، فهناك مخاوف حيال سلامة المباني السكنية القديمة والتي ربما تتأثر سلباً بسبب أعمال الحفر، حيث أن منها مباني كانت قد تأثرت انشائياً جراء زلزال 1992، كما أن ضيق شوارع الحي يمكن أن يتسبب في تكدس مروري شديد حال انشاء محطة، وهذه المخاوف تستدعي القلق والمطالبة باجراء دراسات متعددة التخصصات لضمان سلامة السكان، أو محاولات لطرح بدائل، أو ربما تستدعي بالفعل الاصرار علي فكرة التراجع عن المشروع برُمّته. أما اعتراض البعض علي أن هذه المحطة ستؤدي الي سهولة وصول الطبقات الأكثر فقرا لمنطقة الزمالك، فربما تغيب عنهم حقيقة “المدينة” والتي تكمن في فكرة الالتقاء ومشاركة المكان، وربما يغيب عنهم أيضاً حقيقة أن أغلبية سكان المدينة من الطبقة الفقيرة، وبالتالي فإن الالتقاء ومشاركة فراغ ما، أو وسيلة ما، هو أمر حتمي لا يمكن منعه


في يناير 2014 صرّح رئيس الهيئة القومية للأنفاق بالتوّصُّل الي “حلّ وسط” مع سكان حي الزمالك من خلال الابقاء علي مرور المترو أسفل الزمالك، وإلغاء افتتاح المحطة وترك أمرها للأجيال القادمة التي ربما تغيّر رأيها وتطالب بافتتاحها. وبعيداً عن تقييم هذا الحل، فإن اشراك السكان في مرحلة صناعة القرار؛ بدايةً من دعوتهم في مطلع 2012 بساقية الصاوي من قِبل هيئة المترو لعرض المشروع، ثم استجابة السلطة لرغبتهم في نهاية الأمر؛ هو أمر ايجابي علي آية حال

[سكان حي المنيب يعانون لسنوات طويلة من عدم توفير الدولة اي نوع من الخدمات او باقل حق لهم في المدينة. هل تعامل الدولة سكان المنيب وسكان الزمالك على سواء؟]


ولكن .. ما هو موقف السلطة تجاه تكاتف وحشد سكان المناطق الأكثر فقراً سعياً لتحقيق مطالبهم وطموحاتهم المتعلقة بشكل حياتهم. هل سيتم دعوتهم لعرض اي من المشروعات المتعلقة بمناطق سكنهم قبل اتخاذ اي اجراء؟ هل ستُعقد جلسات نقاش مجتمعي متعددة؟ هل سيُسمع لهم اذا ما اعترضوا علي المشروع؟ هل ستُجري محاولات جادة للتوصُّل لحلول تُرضي المواطنين؟ هل سيكون رد فعل السلطة تجاههم هو نفسه؟ أم سيختلف قليلا؟

في مطلع القرن العشرين أنشئ خزان أسوان من أجل التوسع في زراعة القطن لخدمة مصانع النسيج أثناء الاحتلال البريطاني لمصر. ارتفع منسوب المياه خلف السد حوالي 100متر ما أدّي الي غرق عشر قري نوبية دون سابق انذار، الا أن النوبيين اختاروا البقاء وأعادوا بناء منازلهم علي المرتفعات القريبة من القري الغارقة، فجاءت التعلية الأولي للخزان عام 1912 لتغرق ثماني قري جديدة، ثم التعلية الثانية عام 1933 والتي أغرقت عشر قري أخري. أدي خزان أسوان الي اغراق النوبة القديمة بمساكنها وآثارها وتاريخها، ومعاناة وتشريد آلاف الأسر، وقد قدمت الحكومة آنذاك تعويضات “لمنكوبي الخزان” كما وصفتهم، الا أنها كانت تعويضات هزيلة لا تضاهي المأساة التي تعرّضوا لها. تشتتت الأسر النوبية وهاجر العديد الي الشمال بحثاً عن الرزق بعد ما حل عليهم من فقر وجوع، الا أن حلم العودة ظل مع كل مغترب


أثناء الحقبة الناصرية بدأ التفكير في انشاء سد جديد يُستخدم في توليد الكهرباء لزيادة الانتاج، وتخزين المياه بسعة أكبر من خزان أسوان الذي لم يعُد يلبي تطّلُعات المرحلة الجديدة. بعد وضع أساس السد العالي عام 1960 ألقي جمال عبد الناصر خطبته الشهيرة أمام أهالي النوبة لطمأنتهم علي مصيرهم بعد اغراق السد لقراهم ومساكنهم مرة أخري، ووعدهم بعملية “تهجير” منظّمة، وتنمية زراعية وصناعية كبري ورخاء، وجمع شمل أهل النوبة في القري الجديدة بعد الشتات الذي عانوا منه سنوات طويلة. تم تهجير أهل النوبة في أكتوبر 1963 الي مدينة كوم امبو “الصحراوية” بعد أن كانت حياتهم علي ضفاف نهر النيل، وفوجئوا بأن المساكن الجديدة لم تكن مُعدّة لاستقبالهم، كما أنها لم تكن ملائمة لظروف معيشتهم من حيث المسطحات ومواد البناء المستخدمة، وهناك روايات متعددة تحكي عن معاناة الأهالي في مرحلة التهجير التي استغرقت حوالي مائتي وأربعين يوماً. اليوم وبعد مرور 51 عاما علي الهجرة لا يزال حال أهل النوبة كما هو، فلم يروا تنمية ولا رخاء ولا مقابل لتضحيتهم الكبري، بل أنهم لم يجدوا الا تجاهلا وتهميشاً، وما زالوا يحلمون بالعودة علي ضفاف نهر النيل. قدمّت الحكومات المتعاقبة منذ السبعينات وعوداً للنوبيين بالعودة الي مناطقهم القديمة علي ضفاف بحيرة ناصر، ومازالوا حتي هذه اللحظة يطالبون بحقّهم في العودة

[الارضيات البلاط هي كل ما تبقى من بيوت عائلات كثيرة تم تهجيرها قصريا واستغلال اجهزة الدولة الامنية لتخويفهم حتى يتركو بيوتهم كجزء من مشروع محافظ الاقصر لتحويل المدينة لمتحف مفتوح]


في عام 2006 بدأ التفكير في مشروع قومي لتحقيق تنمية شاملة في مدينة الأقصر وتحويلها الي متحف مفتوح، ومن أجل ذلك كان لابد من تنفيذ بعض الازالات و نزع ملكيات العديد من الأراضي التي كانت تعترض المشروع، الا أن السلطة لم تقم بتعويض المواطنين بشكل عادل حينئذ. بعد عدة سنوات وعقب ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 قام المتضررين بتنظيم مظاهرات حاشدة مطالبين بصرف التعويضات المالية للأضرار التي لحقت بهم جراء التطوير، وبعد عدة سنوات واستجابة للضغوط المستمرة من المتضررين؛ وتحديداً في مارس 2013؛ تم اعتماد 100 مليون جنيه لهذا الغرض


في عام 2007 أصدر مجلس الوزراء قرارًا بعدم تجديد عقود إيجار أراضي جزيرة “القرصاية” للأهالي أصحاب الحيازة القانونية، فيما اُعتبر تمهيدًا للاستيلاء عليها لصالح استثمارات خدمية وسياحية، تبعه محاولات السلطة استخدام القوة لإخلاء الجزيرة من أهلها بشكل قسري. لجأ الأهالي للقضاء الاداري وبالفعل في 2008 نجحوا في إلغاء القرار الوزراي، الا أن الحكومة قامت بالطعن علي هذا القرار، وفي 2010 تم رفض الطعن مؤكدةً على أحقية الأهالي في أراضي الجزيرة. وفي نوفمبر 2012 قامت القوات العسكرية بالانتشار في الجزيرة في محاولة جديدة لنزع الأرض من السكان وتم القبض علي عدد من الأهالي ومنهم من حوكم عسكرياً. وفي أغسطس 2013 أصدرت هيئة مفوضي الدولة تقريراً يوصي بأحقية الأهالي في الأرض


في أكتوبر 2011 أصدر محافظ القاهرة قرارا باستيلاء المحافظة على أرض رملة بولاق تمهيدا لتنفيذ اتفاق تعاون بين صندوق تطوير المناطق العشوائية ومحافظة القاهرة لتطوير المنطقة، وصنّف ملكية الأرض بها كـ”أملاك دولة”، الا أن محكمة القضاء الاداري قضت في أغسطس 2013 ببطلان هذا القرار


برغم الاختلاف بين طبيعة مشروع المحطة وبين هذه المشروعات، الا أن هذه الأحداث وغيرها تعاقبت واحدة تلو الأخري أثناء قراءة خبر استجابة الحكومة لسكان الزمالك. استجابت الحكومة بعد جولات ومشادات وحشد، وفي مواضع أخري قامت بمقاضاة المواطنين من أجل طردهم من مساكنهم أو نزع ملكية أراضيهم، زعما بأن ذلك من أجل الصالح العام، أمّا مشروع انشاء “محطة مترو”؛ والذي بالنظر في “صورته الأكبر” يشمل خدمة أصحاب المصلحة من سكان وطلبة جامعات وعاملين وزائرين للأنشطة الخدمية والتجارية والسياحية والمراكز الثقافية المنتشرة في أرجاء الحي؛ اضافة الي تأثيره علي السيولة المرورية؛ كان أمراً يحتمل عقد جلسات عدة من النقاش المجتمعي، واجراء محاولات للتوصّل لحلول وسط، ثم التراجع في نهاية الأمر


بعد الموافقة علي دستور 2014 الذي ينص صراحة علي  ”حظر التهجير القسري” (المادة 63)، و”كفالة الدولة للحق في المسكن الملائم” (المادة 78)، والتزام الدولة “بحق المواطن في حياة آمنة وتوفير الأمن والطمأنينة” (المادة 59)،  الا أنه وبتاريخ 18 فبراير 2014 تمت عملية ازالة مساكن واخلاء سكان “عشش التوفيقية” بعزبة النخل، وما زال الأهالي في انتظار كشوف الحصر التي تضم الأسر التي ستحصل علي وحدات سكنية بديلة، وفي 19 فبراير 2014  شنت مديرية أمن كفر الشيخ حملة مكبرة ضمت آلاف الجنود والجرافات في لإزالة منطقة “منشية فؤاد القبلية” بمدينة كفر الشيخ، والتي يقطنها آلاف الأسر من العاملين في تجميع «الخردة» و«القمامة» والـ« روبابيكيا»


علي مدار سنوات ما يزال المسئولين يُصرّون علي تكرار نفس الأساليب القديمة مع مواطني الطبقة الكادحة، ويقدمون حلولاً غير مستدامة لتحقيق مصلحة يزعمون أنها “أشمل”، وتتم عمليات الازالة بشكل مُفاجئ لا يراعي آدميتهم، كما أنها تتم “قبل” طمأنة الأهالي علي مصيرهم بشكل واقعي وجاد، ثم تنتشر مصطلحات مثل “50 متر أحسن من عِشّة”، “هما أصلا بانيين مخالف”، “بيشوّهوا المنظر”، “بيتعدّوا علي الأرض الزراعية”، “المفروض يحمدوا ربنا” علي تلك البدائل التي لا تراعي عددهم، ولا أسلوب حياتهم، ولا التأثير النفسي عليهم، ولا الحد الأدني من الحياة الكريمة، وكأن ليس من حقهم أن يحلموا بأكثر من ذلك، وإن لم يستطيعوا التأقلم مع هذه البدائل المفروضة عليهم؛ فهُم المُـلامين، لأن ليس في الامكان أفضل مما كان


ربما يتصادف أن “المشروعات القومية” التي تتطلب تضحيات كبري دائماً ما تتعارض مع “الفقراء والمُهمَّشين”، وبالتالي فإن عليهم التنازل من أجل “الصورة الأكبر”، والتي يتصادف أيضا أنها لا تشمَلهم أبداً

Reducing the Sulfur in Cairo’s air

image


احمد الضرغامي


لم يعد التعبير “الحياة فى القاهرة ليها طعم تانى” تعبير مجازى، فإن كنا يوماً نشم تلوث الهواء فور فتح باب الطائرة ترحاباً بنا، فقد أصبح تركيزه الفائق اليوم يسمح لنا إستطعامه أيضاً! ثم نعتاد على مذاق تلك الطبخة فى غضون أيام وتنضب حواسنا (من رحمة الله) لنتعايش مع واقع المدينة، ثم ننسى ونُنسِب أمراضنا إلى ما هو مكتوب على الجبين، ويسخر جيل السمنة البلدى من شيخوخة شباب جيل الكرش المُبكّر، الجيل الذى لن تتحقق طموحاته فى اللعب والرياضة سوى فى العالم الإفتراضى من “البلاي ستيشن” الذى وصل لأفقر قرى مصر لتملأ فراغاً كبير… نتحدث هنا عن أغلبية لا تستطيع شراء الهواء النقى (تكييف متواصل فى البيت والعمل والمواصلات) ولا إرتياد الأماكن الترفيهية والرياضية المكلِّفة، فالأماكن المعزولة عن أهوال ومخاطر المدينة من مرور وتلوث ليست للجميع … ومع ذلك يتأثر بالطبع أيضاً أغنى ساكن فى القاهرة، فواقعياً لا مفر تام من الهواء، ولاحماية كاملة لأولادنا منه سوى مجابهته من المنبع وعدم الإستسلام للإعتياد

لمن لايريد الإستسلام لما هو مكتوب على الجبين أدعوه للتأمل فى أحد مكونات تلك الطبخة التى نستطيع التحكم فيها –الكبريت-. فإن تسائل البعض مثلاً عن أحد الأسباب الرئيسية لنقل تمثال رمسيس من ميدانه فإن الإجابة ستكون تلوث الهواء. و طبخة ذلك التلوث عبارة عن جسيمات عالقة دقيقة وكربون وأكسيد نيتروجين وأكاسيد كبريت ومُركَبات أخرى، منها المؤذى والسام والمسرطن. معظم نسب تلك المكونات تأتى من حرق البنزين والديزل (السولار) فى زحمة المرور لينتج ما نراه - وكثير مما لا نراه- منبعث من شكمان كل سياره وميكروباس وأتوبيس. ومن خواص أكاسيد الكبريت أنها تذوب فى رطوبة الجو أو الندى اليومى (وبالطبع رطوبة إعضاء جهازنا التنفسى وأعيننا) لتتحول إلى حمض كبريتيك يؤثر علينا صحياً كما يتسبب فى تدهور تراثنا المعمارى والأثرى بالتآكل… ولمن لا يعلم، يستخدم هذا الحمض فى تركيزات عالية جداً كسلاح سائل “مية نار” وهو ما أستخدمه القاتل الشهير “جون جورج” هيغ الذى تم تخليد قصته فى متحف “مدام توسو” فى إنجلترا حيث تمرَّس على إذابة أجساد ضحاياه كاملةً لأخفاء جرائمه… ومن هنا قرر العلماء فى مصر أن الهواء لن يتحمله الصنم

تم نقل تمثال رمسيس فيما بعد إلى موقع المتحف المصرى الجديد بالقرب من الأهرامات … ولكن ماذا عن الهواء فى محيط الأهرامات ذاتها؟ يتردد الآلاف يومياً مستقلين الأوتوبيسات السياحية التى يُسمح لها الركن عند سفح الأهرامات. ويَـتـرُك السائق المحرك يعمل طوال وقت الإنتظار للحفاظ على تكييف الأوتوبيس الخالى حتى يُكرِم السائح بلفحة هواء مثلجة حينما يعود، فتستمر الأوتوبيسات الوافدة والمركونة طوال اليوم فى حرق وقود الديزل. ولكن هذا الوقود ليس الديزل المتعارف عليه وفقاً للمعايير الدولية، والتى تحدد نسبة الكبريت فى الوقود عند الـ15 جزء فى المليون (أو 50 جزء فى المليون كنسبة إنتقالية)، ولكنه فى مصر يُـسـتـخـدم بنسبة كبريت 5000 جزء فى المليون! وجدير بالذكر أن تداول الديزل بالمعايير المثالية لا يقتصر على دول أوروبا المرفهة مثل السويد والنرويج، فبالنظر للشرق الأوسط نجد أمثلة ريادية عديدة، فالنسبة فى المغرب وعمان وتونس 50 جزء فى المليون وفى بعض الدول الأخرى فى المنطقة 500 وفى إسرائيل نسبة مبهرة وهى 10 جزء فى المليون، ولكن يعود ذلك لسياسات وقوانين صارمة لم يصدُر مثلها فى مصر حتى الآن… ولذلك عانت الأهرمات فى السنوات القليلة الماضية ما لم تعانيه على مدى خمسة آلاف عام، فضلاً عن ما يصيبها من جرَاء الملوثات الأخرى كالجسيمات العالقة المحملة بالكربون الذى أعتم ألوان المدينة وسوَّد ملابسنا

image


توصّلَت الدراسات العالمية مثل التى أعدتها هيئة حماية البيئة للولايات المتحدة إلى أن التكلفة الإضافية للحد من نسبة الكبريت فى الوقود - مثل تحديث محطات التكرير أو تغيير المورِّد - ليست مرتفعة إذا ما قورنت بتكلفة التلوث ومعالجة آثاره المذكورة، فقد تصل تكلفة تلك الآثار من اضرار صحية وبيئية إلى 10 أضعاف التكلفة المادية لإجراءات التخفيض - كتوفير ما يصرف على العلاج وخسائر ضَعف إنتاج المواطن المرهق وتاثيرات أخرى على النباتات والمعدات وغيرها، وهذا يلفت إنتباهنا لما قد تـتـكـبَّـده الدولة اليوم دون داعى من تكاليف غير مباشرة. كما أثبتت دراسات فى أوروبا أن إنخفاض الكبريت فى وقود السيارة يُحسِّن من كفاءة الموتور ليستهلك وقود أقل، فيعنى ذلك وفر كبير لدولة داعمة للوقود مثل مصر حيث يبتلع الديزل قرابة نصف قيمة دعم الطاقة


وفى السباق الذى نعيشه اليوم لإعداد سياسات تضمن العدالة الإجتماعية فى مصر قد يفيدنا كثيراً التأمل فى الواقع التالى: أنه على الرغم من معاناة سكان القاهرة جميعاً من التلوث والزحام وحوادث المشاه والتعدى على الحق فى المساحات العامة والحق فى تنفس هواء نقى فإن كل هذا من أجل خدمة صاحب السيارة وتوسيع الطرق الرمادية له، مع أن المتسببين الرأيسيين فى تلك الزحام هم أقلية، فإن عدد المنازل فى القاهرة الكبرى التى تملك سيارة هو 14% فقط، بينما المعاناة من الحياة الرمادية المزعجة يدفعها الأغلبية من فئات الشعب الذين يـتـنـقَّـلـون جماعياً فى المواصلات ومشياً بين الرحالات… وبالتالى سياسات الهواء النقى لا تقتصر على جودة الوقود فحسب ولكن التحكم أيضاً فى تلك الأقلية من مالكى السيارات وإيجاد بدائل لهم من مواصلات عامة راقية جذابة وكذلك توفير بيئة آمنة للمشاة ولراكبى الدراجات وسياسات لترشيد إستخدام السيارة وبرامج تشجيع العمل والتسوق عن بعد كبديل جزئى للتنقل بالسيارة وغيرها من البدائل كى نشجِّع على نمط حياة صحي وواعى بيئياً وإجتماعياً


 المشوار ليس بعيداً، فلنتذكر سرعة دولة الصين فى التحكم فى تلوث الهواء طموحاً فى إستضافة أوليمبياد 2008 فى بكين و ما ترتب عليها من مكاسب هائلة ولنتذكر جرأة محافظ بوجوتا بكولومبيا فى أواخر التسعينيات الذى ضرب بعرض الحائط خطة الدولة للتوسع فى الطرق المرورية بالمدينة واستبدلها بخطة إرتقاء عمرانى يخدم جميع الأعمار والفئات من المشاة وراكبى الدراجات والمواصلات والتوسع فى المناطق العامة على حساب الأسفلت مما جعل مدينته مَدرسة لمدن العالم التى تـتـطـلّـع للجمال وجودة الحياة والعدالة الإجتماعية… وبمثل هذا الفكر سيعود المذاق الحقيقى الخاص بالقاهرة… ولن يكون الكبريت

The waqf system and the maintenance of Cairo’s historic buildings

SCROLL DOWN FOR ENGLISH

image


دينا باخوم

تترك شوارع القاهرة التاريخية، بكل طرقها وأزقتها الخلفية، انطباعات متضاربة فى نفس من يسير بها. ومع أنه لا يمكن انكار وجود مشاكل فى إدارة وصيانة المبانى الموجودة بالمدينة، فإن هذا لا يقلل من سحر المدينة بروحها المتفجرة وثقافتها الحية وتراثها الثرى


هناك قصص تروى فى كل شارع وزقاق ومدرسة وجامع ومتجر  وبيت عن أولئك الذين كانوا يعيشون بها ويعملون بها، بما فى ذلك الباحثون والزائرون. لذا فإن الدراسة والبحث والعمل فى تلك المدينة، مثله مثل المدينة ذاتها، ليس له حدود. القاهرة هى مدينة ديناميكية لا تعرف النوم ولا تخلد إلى السكون


سوف أروى فى هذا المقالة أحدى القصص التى تخص صيانة العقارات فى المدينة، وهى قصة المحل الذى يوجد تحت الجامع أو المدرسة والذى يعد جزءا من الوقف المخصص لصيانة المكان


ما الذى تعنيه كلمة “وقف”؟


المعنى الحرفى لكلمة “وقف” واضح وهو أن توقف شيئا ما وتمنع التصرف فيه (بالبيع والعطاء والشراء والرهن والتوريث والهبة) وتقوم باستخدام دخله فى غرض خيرى أو قضية معينة. وباختصار فإنه نوع من الهبة المستمرة المخصصة أساسا للأغراض الخيرية. هناك كلمة اخرى استخدمت لوصف نفس النظام، وهى حبس


لكل “وقف” هناك ثلاثة عناصر. أولا، هناك الشخص الذى يقرر إنشاء الوقف، وهو “الواقف”. ويجب أن يكون الواقف شخصا بالغا رشيدا فى كامل قواه العقلية ويتفهم نتائج أعماله ويمتلك العقار أو الأصل الثابت المخصص للوقف. ثانيا، هناك الملكية ذاتها المخصصة للوقف والتى تسمى “الموقوف” (الجمع: “موقوفات”). و”الموقوف” يجب أن يكون له “منفعة” بمعنى أن يكون أصلا ثابتا قادرا على توليد الدخل أو مؤسسة تقدم خدمات. ثالثا، هناك “الموقوف عليه”، الجمع: “موقوف عليهم”، وتستخدم أحيانا كلمة مستحقون


يجب أن يتم كتابة عقد قانونى يسمى “الوقفية” يتضمن شروط “الواقف” ويشرح التفصيلات الإدارية والمالية ذات الصلة وأيضا الوصف المعمارى للعقار محل الوقف

image


تقدم تلك الوثائق مادة بحثية قيمة حول نظام “الوقف”، يمكن دراستها من أكثر من وجهة. وسوف أركز هذه المقالة على توضيح حقيقة أن نظام الوقف هو النظام التقليدى للصيانة والحفاظ على المعمار ووظائفه فى المجتمعات الإسلامية. من خلال نظام الوقف تم بناء العديد من المبانى الجميلة، منها المساجد والمدارس والسبيل-كتاب، والوكالات والبيمارستانات (مستشفيات) والمنازل والخانقات، وهي مساكن جماعية لها طابع الأديرة مخصصة للصوفيين


يتم الانفاق على تلك المؤسسات لكى يستخدمها الجمهور ويستفيد منها. وأحد شروط الوقف هو دوامه. ولكى نضمن دوام الوقف وفوائده، فإن الواقف يخصص بعض الأصول التى تولد الربح (مثل المحلات الموجودة تحت المبانى أو أصول أخرى بعيدة عن المبنى مثل الوكالات والحمامات والأراضى الزراعية، الخ) ومن أهم الشروط أن يكون دخل تلك الأصول ينفق أساس على “العمارة”، بمعنى صيانة المبنى وضمان استمراره فى أداء وظائفه


على سبيل المثال، نرى صك وقف “السلطان حسن” يشترط أن ينفق العائد فى “عمارة العقارات الموقوفة واصلاحها” بما يضمن استمرار مصدر الدخل و”دوام المنفعة”. تجد مثل هذا الشرط الخاص بإنفاق الدخل على صيانة العقار فى كل “الوقفيات”، نظرا لأن الصيانة تضمن استمرار المنفعة للمستخدمين


وبالتالى فأن الأموال المتولدة عن الوقف تخصص أولا للقائمين بالصيانة والإصلاحات وإيضا للمواد المختلفة التى تتطلبها أعمال الصيانة والترميم المستمرة. هناك مهام مختلفة تشملها تلك العملية ويتم ذكرها فى تفصيلات الصيانة الدورية. بعض تلك المهام يختص بتشغيل وصيانة جوانب معينة من العقار والبعض الآخر يتعلق بالإشراف الدورى والتحقق من حالة المبنى. وتتنوع الوظائف بين تلك الخاصة بالإدارة والصيانة (الأسطوات والبنائون والمعماريون) وتلك الخاصة بالتنفيذ (عمال التنظيف والسباكون والحجارون). كل تلك الشروط هى التى تتضمن استمرار المراقبة واتمام الصيانة بشكل منتظم


فى بعض الحالات هناك ذكر لإجراءات الصيانة الوقائية. على سبيل المثال، فى وقف السلطان الغورى (حكم 1501-1516) هناك عبارة تقول: “ويجب أن يقوم (المشرف) على الفور باستبدال أى بلاطات خزفية تسقط أو تصبح على وشط السقوط، ويجب أن يتم استبدالها فى الموقف فى نفس اليوم الذى تسقط فيه. وسوف يتم هذا فى حياة الواقف وأيضا بعد موته دائما وإلى ما شاء الله”

image


والملاحظ أن شروط الواقفين لم يتم احترامها على الدوام على النحو الذى أرادوه، وكانت هناك الكثير من المخالفات والأخطاء حتى فى تلك الأزمنة القديمة، ولم يتم الالتزام دائما بالقواعد الموضوعة. ولكن الوقف بوصفه نظاما يستهدف صيانة المبانى نجح بشكل واضح فى الحفاظ عليها على مر العصور. وهذا أمر يتضح من حقيقة أن “لجنة صيانة آثار الفن العربى” التى تكونت عام 1881 بهدف بصيانة وتحديد الآثار الإسلامية ولاحقا الآثار القبطية قد تم انشاؤها تحت اشراف وزارة الأوقاف. وقد تم حل اللجنة فى 1961 وحلّت محلها مصلحة الآثار ثم المجلس الأعلى للآثار ثم وزارة الدولة للآثار


والسؤال الآن هو من المسؤول عن المبانى التى تم وقفها؟ من الذى يقوم (أو يجب أن يقوم) بصيانة تلك المبانى؟ هى هى وزارة الدولة للآثار أو وزارة الأوقاف؟


يتوقف الأمر على نوع المبنى. لو كان المبنى قد تم تسجيله كأثر، وهو ما ينطبق على الكثير من المدارس والجوامع التاريخية فإن الفقرة السادسة من قانون “حماية الآثار” الصادر عام 1983 والمعدل فى 2010، تقرر إنه مملوك لوزارة الأوقاف، بينما تقرر الفقرة 30 أن المجلس الاعلى للآثار مسؤول عن الحفاظ والصيانة والتجديد


ومعنى هذا فإن وزارة الأوقاف يجب أن تدفع تكلفة الإصلاح والترميم. ولكن ليست هناك أى بنود مكتوبة تحدد كيفية القيام بذلك. فى 2008، تعرضت حشوات منبر المريدانى (1340) إلى السرقة. والسؤال هو من المسؤول عن أمن المبنى؟


لا داعى للدخول هنا فى تفاصيل المناقشة بين المؤسستين، ولكن من الواضح أن هناك نقص فى التنسيق بينهما، وهو ما أدى إلى تلك النتيجة. وهناك حاجة ملحة إلى ترتيبات إدارية وقانوية ملزمة تنظم تلك المسائل حماية لتلك الآثار التى لا تقدر بثمن


والخلاصة هى أن الكثير من مبادىء الصيانة التى كانت موجودة بالفعل فى ظل نظام الوقف لا تختلف كثيرا عن قواعد الصيانة المعاصرة. لذا فإنه من الواجب إحياء مبادىء “الوقف” الخاصة بعمليات الصيانة والإصلاح مع ارساء قواعد عامة للحفاظ على التراث الحى بشكل يحترم التوجهات المختلفة، وغير المتضاربة فى أغلب الأحيان، لكل المنتفعين والمهتمين بهذا التراث الحى

image

By Dina Bakhoum

A walk through Historic Cairo’s streets and alleys leaves one with conflicting impressions. Although one is struck by several conservation and management problems the overall spirit of the city’s vibrant living cultural heritage and traditions is overwhelming. Each and every street, alley, mosque, madrasa, shop and house carries stories about its patrons, users, inhabitants and also travelers and researchers. Therefore, the study, research and work on this city never ends, exactly like the city itself; it is indeed a dynamic city that never sleeps and continues to live.

This article will tell one of the stories namely that of living through maintenance, the story of the shop underneath the mosque or the madrasa, which was part of the waqf used for the upkeep of the endowment. So, what does “waqf” mean? The literal meaning of the word waqf is “to stop” or “the act of stopping”. One definition of waqf is that it is the prohibition (or the stopping) of al-tasarruf (selling, giving away, buying, mortgaging, making it inheritable, bequeathing and donating) of a person’s property that generates revenue, and the income is to be used solely for a charitable venue or cause. In brief it is a type of endowment for charitable purposes. [Another word that is also used describing the same system is habs.]

There are three important entities involved in the act of endowment (the waqf) that explain how it operated as a system. The first is the person who endows: the waqif, who had to be a free adult, in good heath and mental condition, cognizant of his/her actions and owning the endowed property. The second is the endowed property indicated as the mawquf (plural mawqufat). The mawquf had to have a benefit (manfa‘a); it could be a property generating revenue or an institution providing services. The third is represented by the beneficiaries (the mawquf ‘alayhi; plural mawquf ‘alayhum or mustahiqin).

A legal document was then drafted, the waqfiyya, which included the stipulations of the endower, administrative and financial matters as well as an architectural description of the endowed property.

These documents form valuable research material on the waqf system, which can be studied and researched from different perspectives. The angle of interest in this article is to show how the waqf system was the traditional maintenance and upkeep system in the Islamic societies. Through the waqf endowment system a number of magnificent buildings were constructed such as mosques and madrasas, sabils, sabil-kuttabs, wikalas, bimaristans (hospitals), houses, and khanqas (monastic residence for Sufis).

These institutions were endowed for the public to use and benefit from. One of the main stipulations of the waqf was that the endowment would be beneficial in perpetuity. To ensure the continuity of the waqf and its benefits, the waqif endowed other revenue generating properties (the shops under the buildings or other properties far from the building such as caravansaries, baths, agricultural lands, etc.) and stated as one of the most important stipulations that the income of this revenue generating properties was to be spent primarily on the ‘imara (actions that keep the building operational), upkeep and maintenance of endowed buildings or institutions.

To give an example, the waqf deed of Sultan Hassan stipulates that the spending of the revenue has to be used on “the ‘imara of the endowed properties and their repair and on that which ensures the preservation of the source of revenue and the perpetuity of the benefit of the endowed property”. This stipulation of spending the revenue primarily on the maintenance of the endowed property is found in all of the waqfiyyas because the maintenance ensured that the endowment remained beneficial to the users.

Accordingly money was allocated for 1- the people who will carry out the maintenance and repair and 2- also for the materials needed for the regular maintenance and upkeep activities. Different roles were clearly assigned for the regular maintenance operations; some had the responsibility to daily run and maintain certain aspects of the property and others had the role of periodic supervision and checking of the condition of the property. The jobs varied from managerial and supervision ones (such as supervisors, engineers, architects) to implementation ones (such as cleaning people, plumbers, marble masons, etc). All stipulations included regular monitoring and regular maintenance.

In some cases even preventive measures were mentioned. To give an example, from the waqf of Sultan al-Ghuri (r.1501-1516), where it is stipulated that:

“He [The supervisor] must immediately replace any blue ceramic tiles that have fallen or are about to fall; these are to be replaced in situ on the same day they fall. This should be done when the waqif is alive and also after his death, always and forever.”

Nevertheless, it is clear that the waqifs’ stipulations were not respected in perpetuity as they wished it would be. Of course, pressures and faults existed in historic times, and not all the stipulations were always followed.

Yet, as a system, the waqf remained to be considered as the body responsible for maintenance and repair of these medieval structures. This is clearly indicated by the fact that the Comité de Conservations des Monuments de l’Art Arabe (Comité) formed in 1881 to work on the conservation and restoration of Islamic and later Coptic Monuments was established under the Ministry of Endowment (Wizarat al-Awqaf). The Comité was dissolved in 1961 and the Egyptian Antiquities Organizations (later the Supreme Council of Antiquities, then Ministry of State for Antiquities) was formed.

The question is, who is responsible now for the buildings the endowed buildings or the awqaf? Who carries out (or should carry out) and funds now the maintenance of these endowments? Is it the Ministry of State for Antiquities or is it the Ministry of Endowments? This actually depends on the structure. If the building is a “registered monument” such as many of the medieval madrasas and mosques then according to the Egyptian Law on the Protection of Antiquities (of 1983 and 2010 modification) clause # 6, the Ministry of Awqaf owns the buildings, but according to clause # 30, the then Supreme Council of Antiquities is responsible for the conservation, maintenance and restoration interventions. Nevertheless, the Ministry of Endowments should pay for that. No further clear written guidelines regulates the exact responsibilities. In 2008, the inlay work of the minbar of the Mamluk Mosque of al-Maridani (1340 AD) was stolen and the big question was, who is responsible for also the security of the building? The details of the discussion between both entities will not be listed here, but what is clear is that it is the lack of coordination between both bodies that lead to this situation and there is an urgent need for a clear management and legally binding system that regulates these issues to ensure the protection of these gemstones.

In fact, many of the principles of maintenance that existed already within the waqf system are in line with many of the current conservation principles. It is essential to revive the waqf principles related to maintenance and repair operations and to establish common grounds for conserving and managing living heritage sites that would respect the different, yet not necessarily conflicting, values of the different stakeholders and beneficiaries, in order to preserve this vibrant living heritage.

Whose Heritage? Reflections from a disappearing Alexandria


محمد عادل دسوقي


في الصفحات الأولى من الجزء الأول من ثلاثية «القارة المائية» والذي يصف فيه الكاتب نيكولاس وودز ورث رحلته للإسكندرية كواحدة من ثلاثة مدن بحرمتوسطية كبرى، يستقل المؤلف القطار المتجه للمدينة، وتأتي جلسته إلى جوار طالب جامعي سكندري كان منشغلا بهاتفه المحمول. يتبادل الاثنان كلمات قليلة عن الإسكندرية. غير أن الشاب يخرج عن صمته فجأة عندما بدى على الكاتب الاهتمام الشديد بإحدى الفيلات القديمة المهمَلة تصادف أن يمر القطار إلى جوارها في نهاية رحلته


إنها لا شيء، قالها وهو يشيح بيده في رفض. “هناك مئات من هذه المباني في الإسكندرية. كان الأجانب الأغنياء يعيشون فيها. إيطاليون، يهود، يونانيون، شوام، فرنسيون.. لقد رحلوا جميعا. والآن تختفي هذه البيوت أيضا. سرعان ما سيهدم هذا البيت أيضا. ما أهميته؟ انه قديم”ـ


تعليق الشاب، مثل الفيلا نفسها، أثار الدهشة والتساؤل لدى الكاتب، فكتب يقول أن مثل هذا البناء التاريخي لو وجد في روما أو نابولي لكان له شأن آخر، لكنه في الإسكندرية أصبح مثالا على الإهمال. تعليق الشاب قصير ومقتضب، لكنه بلا شك لسان حال الكثير من سكان الإسكندرية على اختلاف أعمارهم وتخصصاتهم. بسبب عملي في تدريس العمارة واهتمامي بتاريخ المدينة العمراني سمعت مثل هذه الآراء كثيرا، ليس فقط من الطلبة بل من زملاء ومن مهندسين يمارسون المهنة منذ فترات طويلة، منهم من قام ببناء عمارات سكنية فوق حطام مثل هذه الفيلا منذ بداية السبعينيات. واليوم، وبعد عقود من هذا “الاستبدال العمراني” سيطرت الأبراج الخرسانية تماما على خط سماء المدينة. أحياء كاملة اختفت ملامحها العمرانية بشكل كامل عبر العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة. تغير عمراني سريع وكاسح لن يدرك فداحته إلا من يقوم بمقارنة الصور الفوتوغرافية القديمة لشوارع المدينة وميادينها بحالتها اليوم. تضاعفت قيمة هذه اللقطات كثيرا مع تغير المدينة. بعض الصور تفشل كل الجهود المبذولة الاستنتاج مكانها الحالي، رغم أنها تحمل تاريخ يعود الثلاثينيات مثلا


الإنسان بطبعه يرتبط بالأمكنة التي نشأ فيها أو تلك التي ارتبط بها تاريخ أسرته أو احدى الجماعات التي ينتمي إليها اجتماعيا أو ثقافيا أو دينيا. والمجتمعات المختلفة دائما ما تتخيل أن هُويتها مرتبطة بأماكن بعينها تصبح “أمكنة للذاكرة” وتحمل بالتالي قيما ومعانٍ أعمق وأهم من غيرها. ولايخلو سياق خاص بالهوية الوطنية من حديث عن أماكن تحمل رمزية ينبغي على الجميع أن يحافظ عليها. فالسؤال هنا إذن لماذا ترك سكان الاسكندرية مدينتهم تتحول بهذا الشكل؟ ولماذا أصبحت المباني التاريخية إرثا يخص غيرهم من جنسيات أصبحت في نظرهم غريبة على المدينة؟ ومتى أصبح “القديم” غير ذي أهمية؟ لا شك أن مأزق التراث في الإسكندرية مرتبط بظروف المدينة الجغرافية والتخطيطية والاقتصادية، لكنني هنا سأقوم بالتركيز على التغيرات السياسية والديموغرافية الجسيمة التي طرأت على الإسكندرية (وعلى مصر بشكل عام) في أعقاب يوليو 1952 باعتبارها أحد الأسباب المباشرة وراء هذه التحولات


لقد كان العمران ولا يزال وسيلة هامة تم استخدامها في دعم الأنظمة السياسية بأساليب مختلفة عبر التاريخ. فمن يتحكم في شوارع المدينة وميادينها يستطيع أن يؤثر بالتالي بقوة في وجدان أهلها وذاكرتهم الجمعية بالشكل الذي يتوافق مع مصلحته. من يتحكم في عمران المدينة يتحكم بالتالي في قرار إقامة (أو إزالة) النصب التذكارية بما يتفق مع روايته المفضلة للتاريخ، ويملك آلية تغيير أسماء الشوارع والحارات والمحطات ومباني الخدمات العامة بأسماء الأشخاص والأحداث التي يريدها أن تبقى في الأذهان لكي يبني عليها شرعيته، ويملك القرار في اختيار ما هو جدير بالترميم والحفاظ من عمارة المدينة وما لا يستحق سوى الإهمال والتخريب، ويتحكم أيضا فيما يصح أولا يصح إقامته من طقوس أو احتفالات جمعية يمارسها سكان المدينة في حيزاتها العمرانية العامة. هذه السياسات التي تجمع ما بين التحكم فيما هو مادي ملموس وما هو معنوي غير ملموس تعمل في مجملها على تشكيل جوانب لا يمكن الاستهانة بها من المجال العام الذي يتفاعل من خلاله سكان المدينة، وبالتالي على تشكيل وجدانهم وهويتهم


وإذا تتبعنا التاريخ العمراني لمدينة الإسكندرية الحديثة منذ أن ازدهرت على يد الوالي محمد علي باشا وحتى اليوم، نستطيع أن نقسم هذا النوع من سياسات التعامل مع العمران الواعية لتفاعل “العمران-الذاكرة” إلى ثلاثة فترات تتزامن في الحقيقة مع التغيرات في الساحة السياسية المصرية. الحقبة الأولى هي حقبة الأسرة العلوية خاصة منذ عهد الخديو اسماعيل الذي كان أول من أقام تماثيل في الميادين العامة بالقاهرة والإسكندرية لترسخ تاريخ الأسرة في الحيزات العامة، فكان تمثال جده محمد علي باشا بميدان المنشية هو الأول من نوعه الذي يقام في مدينة تنتمي إلى العالم الإسلامي. ونستطيع أن نحلل طبيعة الصراعات السياسية المعقدة بين سلطة القصر وسلطة الاستعمار ونفوذ الجاليات الأجنبية وأيضا التيارات والأحزاب السياسية الفاعلة في ذلك الوقت (الذي ترسخت فيه الأفكار النهضوية والقومية المصرية) من خلال رصد وتحليل التماثيل والأضرحة وأسماء الشوارع والميادين في الإسكندرية


 أما الحقبة الثانية، وهي الحقبة الناصرية، فقد أولت اهتماما بالغا بهذا النوع من إدارة العمران، فحرصت على استبدال كل ما يمكن أن يذكّر أو يرمز إلى فترة حكم الأسرة العلوية بالمدينة برموز “ثورة يوليو” وما يدعم شرعيتها من أسماء وأحداث تاريخية. فأصبح النصب التذكاري «للخديو اسماعيل» هو نصب «الجندي المجهول» و«فكتوريا كوليدج» أصبحت «كلية النصر»، وميدان «محمد علي» أصبح ميدان «التحرير»، وشارع «توفيق» صار شارع «عرابي»، وهكذا. وصاغ نظام ناصر نسخة معدلة من التاريخ كانت المدينة نفسها وسيطا في ترسيخها لدى العامة ضمن مشروع محكم استهدف ذاكرة المصريين بذاكرة جديدة (أو “ذاكرة مضادة” كما يطلق عليها ميشيل فوكو). كما تسببت سياسات عبد الناصر الاشتراكية ذات المفهوم الضيق لفكرة الوطنية بشكل مباشر وغير مباشر في رحيل جماعي للجاليات ذات الأصول غير المصرية عن الإسكندرية، وفي المقابل توافدت على المدينة أعداد هائلة من سكان أقاليم مصر الأخرى، ومن ثم، ومع هذه التغيرات الديموغرافية المفاجئة، لم تتوفر الظروف المناسبة لنشأة تلك الأواصر التي تربط بين قطاعات كبيرة من سكان المدينة وبين حيزاتها العمرانية والتي لا تتحقق إلا عبر فترات زمنية طويلة من التفاعل المتبادل


أما الحقبة الثالثة التي امتدت منذ بداية السبعينيات وحتى بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فهي حقبة “الانفتاح” وشرعية “أكتوبر”، والتي اهتمت فيها السلطة لفترة وجيزة في السنوات الأولى لحكم السادات بفكرة الذاكرة والعمران أقامت أثنائها نصبا تذكاريا لحرب أكتوبر بميدان «الجمهورية» (محطة مصر سابقا)، وأزالت أو تعمدت اهمال بعض رموز الناصرية (مثل مبنى الاتحاد الاشتراكي الشهير) في سبيل تحقيق “ذاكرة مضادة” جديدة، قبل أن تفقد اهتمامها تماما بالفكرة، تاركة المدينة تتشكل بواسطة رؤوس الأموال الجديدة الوافدة على المدينة دون تدخل يذكر من الدولة التي زهدت أيضا في أفكار الحفاظ العمراني والتراث. ليبدأ وجه المدينة في التحول السريع الذي لم يتوقف لحظة حتى الآن


لقد تركت هذه السياسات المتناقضة أثرها البالغ على علاقة سكان الإسكندرية بمدينهم وشوارعها وعمارتها الفريدة. وزادت حدة المشكلات الاقتصادية وتعقيدات البحث عن الرزق من انصرافهم عن الاهتمام بشأن المدينة وتراثها. والسؤال الآن إذن كيف يمكن من الأصل أن يتم الحفاظ على أبنية تاريخية في مجتمع أغلبه قد لا يعتبرها تراثا يستحق الحفاظ بعد كل هذه التحولات السياسية والاجتماعية؟

لقد حققت بعض الجهود الداعية للحفاظ على تراث المدينة بعض المكاسب في العقد الأخير من القرن العشرين عندما حاول عدد قليل للغاية من المتخصصين أن يقفوا في وجه التحول العمراني، وعلى رأسهم جاء د. محمد عوض ليضع لأول مرة قائمة للتراث العمراني بالإسكندرية أتمها عام 1999، ونجح بعدها في اقناع محافظ المدينة بتطبيقها كقائمة للمباني المحظور هدمها في المدينة مستفيدا من قانون الحاكم العسكري في ذلك الوقت الذي حظر هدم “الفيلات التاريخية”. ثم أقرت الحكومة قانونا “للحفاظ على التراث المعماري” عام 2006 به ما يكفي من عقوبات (وثغرات) وتحددت بعده قائمة جديدة لتراث يحظر هدمها. فهل نجح كل ذلك في الحفاظ على “تراث” المدينة؟ لا شك أن هذه الإجراءات قد أبطأت بعض الشيء من وتيرة الهدم والتحول، لكنها لم توقفه بأي حال من الأحوال. لقد أثبتت التجربة أن القوانين مهما بلغت صرامتها لن تقنع أحدا بأن ما يمتلكه من مبان تاريخية هو تراث قيّم عليه أن يحافظ عليه ليبقى لأولاده وأحفاده. لقد هدمت مبان رائعة وهامة كانت مدرجة في القائمة الأولى وفي الثانية ولم يترك المُلاك والمستثمرون وسيلة أو حيلة أو ثغرة قانونية أو حجة دستورية أو ظرفا سياسيا استثنائيا إلا واستغلوه في هدم المزيد والمزيد من هذه المباني


الأمر إذن مرهون بأن يشعر سكان المدينة نفسهم مرة أخرى بقيمة هذا التراث الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبالتالي بتبعات خسارته. ومطلوب منا جميعا كمهتمين أو متخصصين أن نعمل على سد الفجوة بين سكان المدينة وتراثهم المفترض بكل السبل الممكنة. وعلينا أن نذكر أجهزة الدولة  بفداحة ماتسببت فيه سياسات الحقب الماضية وأنها الآن معنية - رغم ترهلها ومشكلاتها العاجلة والمزمنة - ببناء ودعم هذا الوعي إذا أرادت أن تحافظ على ما تبقى من المدن المصرية

6 October: city of transient residents


٦ أكتوبر؛ مدينة العابر المقيم
احمد ناجي

هناك مخيمات للاجئين، منازل إيواء للمهاجرين، لكن كيف يمكن للاجئين والمهاجرين أن يؤسسوا مدينة. لقد كنت محظوظاً حيث أعيش في واحدة تدعى مدينة “6أكتوبر”. هي بامتياز مدينة اللاجئين والمهاجرين من مدن آخرى داخل مصر ومن خارجها


تحمل أغطية البلاعات في 6 أكتوبر تواريخ متفرقة من سنوات الثمانيات، مما يدل على أن أعمال البنية التحتية بدأت في المدينة في تلك الفترة بغض النظر عما تقوله الأوراق الرسمية. بعد وضع أغطية البلاعات بعقد من الزمن بدأت نواة المدينة السكانية في التشكل مع منتصف عقد التسعينات وبداية الألفية حيث افتتحت فيها أكثر من جامعة خاصة


مثل الطلبة النواة الأساسية لسكان المدينة، معظمهم من محافظات مختلفة من مصر وطلبة عرب منحتهم الجماعات الخاصة الفرصة لتحقيق أحلام الطبقة الوسطى في الحصول على شهادة في الطب أو الهندسة وحتى إن لم تكن درجاتهم في الثانوية العامة كافية، ظهر العمال أيضاً في الأحياء الشعبية للمدينة حيث يعملون في المنطقة الصناعية. لكن أماكن تركز الطلبة والعمال ظلت في أحياء محددة معظمها ذات نمط معمارى واحد انشأته الدولة. لكن الموجة الأهم كانت بعد حرب العراق الأخيرة حينما تزايد عدد اللاجئين والهاربين من الحروب الطائفية والتفجيرات في العراق


وضع جهاز المدينة مجموعة من الشروط التي تحكم الأبنية والبناء في أكتوبر، فهناك معيار محدد لعدد الأدوار في كل حى، ويتدخل الحى في حالة مخالفة شروطه وإزالة الطوابق الزائدة، لدى الجهاز أيضاً قائمة بالألوان التي يمكن استخدامها في طلاء المنازل والبنايات من الخارج، بالتالى فمساحة التغيير والتعديل في عمارة المدينة تظل محدودة بشروط الدولة المصرية


لكن مع الحرب أضفي العراقيون على المدينة الكثير من محلات الطعام العراقي والخبز العراقي، ارتفعت الإيجارات بشكل ملحوظ لكن لم يعرب أحد عن ضيقه، اللاجئون القادمون للمدينة ليسوا كلاجئين المخيمات ولا يتسولون صدقة من أحد، بل جاءوا هاربين بكل ممتلكاتهم لتأسيس مدينة جديدة. ومثلت موجات العراقيين ثم السوريين بعد ذلك أوقات انتعاش لاقتصاد المدينة، تكرر مع الموجة السوريا التى بدأت منذ حوالى سنة. الشارع الذي أسكن فيه منذ حوالى أربع سنوات أصبح يمتلئ بالمحلات ذات اللافتات السوريا، الجزارة الشامية، مخبز دمشق، حلويات حلب، وأخيراً مطعم الجنانى. اختفت من الحى الثانى تقريباً جميع اللافتات المصرية حتى أصبح المكان كأنك تعيش في جيتو سورى صغير


عدم وجود هوية للمدينة سهل على اللاجئين والمهاجرين استدعاء ذكرياتهم ومدنهم التي تركوها لإحلالها في الفراغ “الأكتوبري”. وضع مطعم الجنانى لافتة كتب عليها “فرعنا الأساسي دمشق ميدان دوار باب مصلى، فرعنا الثانى مصر الحنونة 6 أكتوبر”  يقدم المحل الوجبات الشعبية فول وفلافل لكن بالطريقة السوريا حيث الاعتماد الأكثر على الحمص، بالتالى يأتي الفول والفلافل مختلف تماماً عما تعود عليه المصريون منذ أجيال طويلة. يعمل العاملون ومعظمهم سوريون في مطعم الجنانى أيضاً بالطريقة السوريا. فهناك معلم مسئول عن طاسة الزيت وآخر يتولى عملية تغليف السندوتش وآخر يشرف بنفسه على وضع مكوناتها، ويرفض أن يمس أي من مساعديه الخبز أو مكونات السندوتش بل يتولون عملية التغليف فقط. وبدلاً من السلطة والطحينة التي تشكل الإضافات الوحيدة على السندوتش المصري. يتحرك المعلم السورى بين تشكيلة متنوعة من الإضافات تبدأ من المايونيز والثومية والطحينة وشرائح البطاطس مقطعة في أوعية منفصلة، وبالتالي يضاف إليك ميزة اختيار مكونات السلطة


ذات يوم وبينما كنت انتظر سندوتش من المعلم في واحدة من لحظات الذروة، تابعت حيرة المعلم ومساعديه وإصرارهم على اتباع نظامهم في العمل أمام الزحمة وتدافع الأيدى عليهم، كان العاملون يتحركون بتأنى بالغ في إعداد كل سندوتش الأمر الذي يستغرق وقتاً أطول وبالتالي يشعر الزبائن المحشورون في الزحام أمام الشباك بالضيق والتبرم ويبدأون في الصياح مطالبينه بالأسرع. ظهر وسط الزبائن شاب عراقي أخذ يراقب المعلم السورى لدقائق ثم خاطبه بلهجة مصرية ذات مخارج حروف عراقية “يا معلم مش هينفع هنا في مصر الشغل دا، مش لازم تعمل كل سندوتش بنفسك، هنا الدنيا زحمة”


كان العراقي ينقل له في جملة بسيطة جانب من خبرته التي اكتسبها من سنوات إقامته للمعلم الحائر الذي يبذل جهداً في الحديث مع الزبائن باللهجة المصرية. تبدت لى الروح الجديدة للمدينة التي عرفتها منذ أن كانت مساكن خاوية. روح قلقة لكنها ساكنها تبحث عن إقامة وتبنى مدينة لا تعرف هل تكون مدينتها بقية حياتها أم يكون للعودة موعد قريب


أعداد السوريون في 6 أكتوبر، تتجاوز تلك التي عرفنها مع العراقيين، وبينما كثير من العراقيين استغل 6أكتوبر كمحطة في تغريبة طويلة، يبدو السوريون مطمئنين أكثر للمدينة، يشترون البيوت ويتوغلون في قطاع العقارات، يفتحون المحلات ويعقدون شراكات طويلة مع آخرين مصريين، أمام محلاتهم يمدون النجيلة الخضراء المزروعة، لمسات السورى في فراغ المدينة تبدو واضحة، يتعاملون براحة كبيرة مع الفراغ، حتى مؤخراً في المناسبات الدينية أصبحوا يغلقون بعض الشوارع وينصبون مسرح في الشارع تغنى عليه فرقة حلبية موسيقي شرقية تراثية، يذهب الأطفال إلى المدارس ويكبرون عاماً في المدينة، ومن النافذة تأتى أصوات لهوهم تختلط فيها اللهجات مع بعض الكلمات الإنجليزية.. روح جديدة، وشيء ما يحدث هاهنا في 6 أكتوبر

Small but Significant Observations from our Everyday

ملاحظات صغيرة من شوارع كبيرة

ميشيل حنا

كان أبي يتهمني دوما بقلة الملاحظة. كلما عدت من المدرسة كان يسألني أسئلة مثل ما إذا كان مصباح مدخل العمارة مضاء أم لا، أو ما إذا كانت الشركة التي في الدور الأرضي لا تزال تفتح أبوابها، أو ما إذا كانت الضلفة الأخرى للباب الخارجي مفتوحة، وفي كل المرات كنت أرد بأنني لا أعرف


كنت دائما ما أسير وأنا أنظر تحت قدمي، وفي أفضل الأحوال أمامي، دون أن أهتم بأن أرى ما هو حولي
وكان يجب أن تمر سنوات عديدة حتى تنفتح عينايّ للرؤية، وكان يجب أن يحدث (شيء كبير) يجعني أستطيع أن أرى، وذلك عندما بدأ المقاولون في هدم الفيلات والعمارات الصغيرة في المنطقة التي أسكنها ليبنوا أبراجهم. عندها بدأت أرى. رأيت عقارات ضخمة تزال من الوجود وتتحول إلى ركام، وكان الأمر فادحا والثمن باذخا كي أستطيع أن أرى


ثم عندما رأيت الكبير بدأت أنتبه إلى الصغير، وصرت أنظر حولي وفوقي أيضا. صرت أعرف شكل الزخارف في عمارة الجيران وعدد الأشجار وأنواعها في الشارع. أتذكر أين توجد اللافتة التي تحمل اسم الشارع ومكان الحجر الناقص من أحجار الرصيف. إذا تغير موضع أي شيء من هذه الأشياء سأعرف، لأنني أنظر صرت أنظر حولي

إنها ملاحظات صغيرة من شوارع كبيرة


إنهم يذبحون الأشجار

منذ قيام ثورة 25 يناير، دخلت معظم أجهزة الدولة في حالة من البيات الشتوي، وانسحبت كل الأجهزة التنفيذية والرقابية إلى حالة من السبات الطويل، تاركين الفوضى تضرب في الشوارع، كل شخص يفعل ما بدا له بلا وازع أو رادع


من أبرز ملامح هذه الفوضى هي حالات الاعتداء على الأشجار، والتي يقودها أصحاب المحلات والشركات والعيادات وكل من له لافتة تجارية يريد لها أن تظهر من جميع الجهات، فيستأجر شخصا بسُلَّم وبلطة يقوم بالقضاء على أقرب شجرة في دقائق معدودة. تنتشر هذه الظاهرة وتستفحل في كل الشوارع المصرية في كل المناطق، حتى أننا خسرنا ما يقرب من نصف المساحات الخضراء داخل المدن خلال العامين الماضيين


الصورة الأولى ملتقطة منذ بضعة أشهر، الصورة الثانية ملتقطة منذ بضعة أيام، وما بين الصورة الأولى والثانية هناك خسارة فادحة لا تعوض، سبعون عاما من النمو الخضري ضاعت بضربة فأس واحدة

المكان: شارع السيد أبو شادي، مصر الجديدة


العطفة

كان مصمم الشوارع القديم يحرص على أن يجعل مدخل الشارع منحنيا، ليمنح خصوصية لسكان الحارة أو العطفة. ربما لهذا السبب أسموها عطفة، لأنها تنعطف بالسائر فيها. لا نستطيع هنا ونحن نقف على أول العطفة أن نرى شيئا من تفاصيلها، ربما باستثناء أول بيتين فيها، لكن نظرنا لا يستطيع أن يكشف أكثر من هذه المسافة القصيرة


كان الناس قديما يمارسون الكثير من الأنشطة خارج البيت أو أمامه، فهنا يلعب الأطفال ويلهون، وقد تمارس النساء بعض مهام الطبخ إذا كان البيت ضيقا، بينما يجلس الرجال أمام البيت ليلا طلبا لنسمات الهواء.
من أجل كل هذا كان يجب عندما يمر شخص مثلي أو مثلك ألا يصل مدى بصره أكثر من هذه الأمتار القليلة

المكان: درب سنجر، حي الخليفة


الفوضى غير الخلاقة

كأن اندلاع ثورة 25 يناير كان شرارة لبدء تعدي الناس على الشوارع
نرى هنا القهوة وهي تحجز جزءا من الشارع بكراسيها وبصندوق القمامة وبالموتوسيكل. ممنوع صف السيارات هنا بأمر أصحاب القهوة، فحين يأتي المساء سيجلس مرتادو المكان يدخنون الشيشة بعرض الرصيف والشارع تاركين – تفضلا منهم – ممرا ضيقا في الشارع لمرور السيارات


يمكننا أن نرى المحل المجاور أيضا وقد حجز أصحابه مكانا عن طريق وضع حجر كبير في الشارع


هذا المنظر القبيح صار متكررا بشكل كبير في كل شوارعنا. لم يعد أحد يخاف من شرطة أو يخشى من مخالفة أو يعمل حسابا لرجال الحي. صار الشارع ملكا لمن يملك ذراعا يضع به حجرا أو أخشابا أو إطار سيارة قديم أو كرسي يحجز به المكان، والويل لمن يعترض

المكان: شارع عثمان بن عفان، ميدان سفير

مرزباخ

لفت الاسم انتباهي بشكل كبير. مرزباخ؟! لم أهتم كثيرا بمعرفة من هو كمال الشافعي صاحب الشارع الجديد، لكن غرابة الاسم دفعتني للبحث عن صاحبه

جورج مرزباخ (1876 - 1936) كان محاميا بلجيكيا ورئيسا لإحدى المحاكم المختلطة في مصر، ونقيبا للمحامين في إحدى الفترات، وهو أيضا مؤسس نادي الزمالك، كما ساهم في تأسيس مستشفيات وملاجيء كثيرة. ولعل سر تسمية أحد شوارع مصر الجديدة باسمه هو أنه كان مستشارا قانونيا للبارون امبان شخصيا، وقد كان الرجل حجة قانونية لدرجة أن الملك فؤاد نفسه كان يلجأ إليه أحيانا، وقد أنعم عليه سلفه السلطان حسين كامل بلقب البكوية إضافة إلى أوسمة ونياشين

يثور هنا سؤال: لماذا يصر القائمون على الأمور دائما على تغيير أسماء الشوارع باستمرار، ماحين جزءا كبيرا من تاريخنا وذاكرتنا؟ ماذا كان يضير الشارع لو ظل محتفظا باسمه القديم الأصلي؟

المكان: ميدان سفير، مصر الجديدة



العمود

من النادر جدا أن نرى عمودا مثل هذا اليوم في الشوارع المصرية

هذا العمود ينتمي إلى أحد الأجيال الأولى من عواميد الكهرباء، حين كان يتم صنع العواميد من جذوع الأشجار المشذبة


دخلت الكهرباء إلى مصر للمرة الأولى عام 1895 بواسطة الشركات الخاصة. في البداية بواسطة شركة تدعى “شركة ليبون لإضاءة شوارع القاهرة والإسكندرية”، والتي ظلت تحمل امتيازا لمدة خمسين عاما، بعدها تم تسليمها إلى وزارة الأشغال والطاقة المصرية. كانت أول محطة كهرباء على الإطلاق هي محظة كرموز بالإسكندرية، وكان أول مشترك يحصل على الكهرباء في مصر هو مكتب المحامي مانوزدي الذي يقع في 5 شارع صلاح سالم بالإسكندرية

استمرت الشركات الخاصة تقدم خدمة توليد الكهرباء في مصر حتى عام 1962 حين تم تأميم جميع شركات الكهرباء وصارت الخدمة تقدم بواسطة الدولة

لا نعرف ما إذا كانت بقايا الأسلاك بالأعلى لازالت مستخدمة فعلا، أم أنها بقايا منسية، تركت إهمالا أو كسلا أو للذكرى الخالدة
 

المكان: حي الخليفة، بالقرب من جامع بن طولون


 التاريخ من موقع ويكيبيديا، بينما يذكر موقع جهاز تنظيم مرفق الكهرباء أن التاريخ يعود إلى 1893

مدخل الخدم

في مدخل إحدى عمارات المنشية القديمة بالإسكندرية، رأيت هذا الباب الذي يحمل لافتة بخط الرقعة تقول أنه: مدخل الخدم


عمارات المنشية القديمة المبنية في أواخر القرن التاسع عشر، بكل عظمة نقوشها وزخارفها وتقاليدها المعمارية، كانت مبنية لطبقة أرستقراطية من الملاك الذين لا يستغنون عن الخدم، وبالطبع لا يصح أن يصعد الخدم على السلم الذي يصعد عليه الملاك، لذا في معظم العمارات التي بنيت في تلك الفترة - والفترة التي لحقتها – كان المصمم يحرص على بناء سلم منفصل ليستعمله القائمون على الخدمة


قد تبدو لنا لغة هذه اللافتة اليوم صريحة وصادمة، لكن لعله لم يكن هناك حرج من كتابة عبارة كهذه لأن الخدم – في الأعم الأغلب - لا يقرءون! كان هذا في عصر تسمى فيه الأشياء بأسمائها، حين كان يسمى الخدم خدما

المكان: المنشية، الإسكندرية

The incompetent, the opportunist and the ignorant

image

العاجز و الانتهازي و الغافل

كتابة ادهم سليم


النهاية
دفعت القوات المسلحة السبت بعدد من وحدات الإنقاذ التابعة لها للمساعدة فى إخراج الضحايا والناجين فى حادث الانهيار الصخرى الذى وقع صباح السبت بمنشية ناصر”
 -  جريدة اليوم السابع, السبت الخميس 6 سبتمبر 2008 -

ومع استمرار محاولات تفتيت الصخرة العملاقة التي انهارت فوق سكان قرية عزبة بخيت السبت الماضي انعدمت الآمال تقريبا في العثور على أحياء
  -  بي بي سي عربي صباح الخميس 11سبتمبر2008 -

على الرغم من تراجيديا المشهد البادية على وجوه أهالي الضحايا , كانت محاولات تفتيت الصخرة جنونا يثير الضحك أكثر من الرثاء , من فرط هزلية الموقف تحرك صانع القرار للدفع بالآلاف من عسكر الأمن المركزي و الجيش لخشبة المسرح في منشية ناصر , مجاميع في عرض مسرحي تتقدم لتقيم كردونا أمنيا حول قلب خشبة المسرح لتمنع عدسات المصورين , لكنك لا تعجز عن العثور على الضحك في قلب هذا الجنون : في قتامة مسرحية يجلس المشاهدون من خلف زجاج سياراتهم المكيفة يشاهدون ما تبقى من فصول المسرحية في آداء فواييري لا يقل غرابة عن المسرحية نفسها , ينتظرون حقنة أخيرة من الإثارة في رحلة رتيبة بطول الأتوستراد , و فرصة لمهاترات و نقاشات عدمية في السياسية و الهندسة و ربما الفن أيضا حول أسباب و ملابسات و تبعات سقوط الصخرة  , مادة ممتازة لصنع المزيد من ساعات المشاهد التلفزيونية .
"النقض تلغي حبس 5 مسؤولين بمحافظة القاهرة في قضية انهيار صخرة الدويقة […] وكان دفاع المتهمين قد حمّل سوزان مبارك، زوجة الرئيس السابق، مسؤولية وقوع الكارثة، لقيامها بإنشاء وحدات سكنية بمنطقة الدويقة دون عمل صرف صحي لها، مما تسبب في قيام الأهالي بتصريف مياه الصرف على جبل المقطم، مشيرين إلى أن الكارثة من الممكن أن تتكرر"

-  جريدة المصري اليوم, الثلاثا21 مايو 2013 -

قصاصة من جريدة
"يتصور من يستمع للمدافعين عن استثمارات الشركات العقارية الكبرى أن مسألة السكن فى مصر قد انتهت أو على الأقل فى طريقها للحل. يتحدث أنصار «رسالة العمران» عن تخضير الصحراء وعن أراضٍ مهجورة لم يكن لها سعر قبل أن تحولها الشركات إلى مدن عامرة. وينسى هؤلاء، أو يتناسون، حقيقة واضحة كالشمس فى مصر: المصريون محرومون من السكن"
- وائل جمال, جريدة الشروق, عدد الثلاثاء 28 سبتمبر 2010-

فاصل إعلاني
بعد ثماني سنوات من الخطوبة يشترك العروسان المحتملان في مليونية الرسائل القصيرة أملا في الوصول إلى السحب الذي يؤهلهما للفوز بشقة من ثلاثين شقة يقدمها البرنامج التلفزيوني الشهير في شهر رمضان . مليونية الرسائل القصيرة تتم في فضاء غير مرئي من الإشارات اللاسلكية , لا يدرك العروسان أنه بجوار رسالتهما تطير ملايين الرسائل الأخرى القادمة من عشوائيات تقع على تخوم الحضر لتستقر في إحدى غرف الكونترول في مدينة الإنتاج الإعلامي , كل الرسائل تهتف بالكلمة المفتاحية المتفق عليها أملا للفوز بشقة من الشقق الثلاثين في عمارة سكنية في مكان ما من الصحراء المجاورة .
ينظر موظف غرفة الكونترول إلى عداد الرسائل و يرسل نظره خلف الصحراء المجاورة و يكتب الكلمة المفتاحية استعدادا لإرسالها

المشهد الأول
أزمة الإسكان حقيقة يمكنك أن تراها في كافة تفاصيل حياة المصريين , و لن يتردد أي مصري أيا كانت خلفيته المهنية أو الدراسية في أن يتحدث إليك عن رؤيته لأسباب الأزمة و حلولها , هي حاضرة طوال الوقت في كل تفاصيل حياة المصريين بدرجات متفاوتة من العمق و التسطيح , إلا أنك ستفاجأ بأن المكان الوحيد الذي تبدو فيه أزمة الإسكان غير موجودة هو نفسه المكان المنوط بوضع التصورات لحلها : الأكاديميا المعمارية الرسمية التي تبدو منشغلة بأمور من فرط هامشيتها تبدو هي الأخرى كما لو كانت تخصصاً جديداً يقع بين رسوم الجرافيكس و الخيال الأدبي حيث يقضي الطلبة أهم سنوات انتاجهم الأكاديمي في تصميم مبان خيالية تناقش قضايا غير واقعية في مدن تخيلية لا وجود لها و يصاحب ذلك ديباجة أدبية تعرف بـ “الفكرة التصميمية” أو “الكونسبت” الذي عادة ما يكون تبريرا أدبيا لغرائبية الصورة , و يتم تقييم هذه المشروعات الخيالية أكاديمياً بناءا على جودة إخراجها البصري الذي يتم عادة باستخدام تقنيات جرافيكية للمحاكاة و النمذجة مشابهة لتلك المستخدمة في إنتاج أفلام الرسوم المتحركة و الخيال العلمي
 

في سلسلة من المقابلات المصورة أجريتها بمساعدة عدد من الزملاء في 2005 أظهرت إجابات عينة عشوائية من الجامعيين أن نسبة كبيرة من متعلمي هذا المجتمع لا يدركون ما هو المنوط بالمعماري عمله تجاه مدينتهم , و أتساءل الآن عما إذا كان المعماريون أنفسهم يعرفون العمل المنوط بهم

الكواليس
خلال السنوات الخمس الماضية , كانت العشوائيات مثارا لأحاديث و أحداث معظمها يتناول العشوائيات من منطلق كونها حلّاً . معماريون و عمرانيون ممارسون و أكاديميون في مشهد مواز تدور أحداثه بين وسط البلد و مصر الجديدة يديرون حلقات مفرغة  من النقاش حول عبقرية العشوائيات , فوتونات تنطلق من فوهة الـبروجيكتور في ظلام قاعات الندوات بسيول من المعلومات و الإحصاءات تضفي طابعا موضوعيا على العرض , يليها حلقات نقاشية أو صدامية تبدو كما لو كانت مخاضا لميلاد عهد جديد نفهم فيه جمال الشوائب و عبقرية النقص

ثمة تحول يدور في كواليس المشهد الأكاديمي الرسمي , دعوة لمفارقة الكنبة و التشمير و النزول لمعمعة العشوائيات بحثا عن الحل , و في نفس الوقت ثمة إنبهار سطحي يمكن ملاحظته في أغلب الطروحات , انبهار نابع من حداثة عهد الطبقة المتوسطة و معرفتها المفاجئة بوجود العشوائيات , عشوائيات الحضر ظاهرة حديثة نسبيا في عمر أغلب مدن ما بعد الاستعمار , و بالنسبة لباحثي السبعينيات و الثمانينيات لم تكن العشوائيات على نفس القدر من الإلهام مقارنة بما هي عليه الآن , فضلا عن أنها بالنسبة لأولئك الذين عاشوا فيها أو عاصروها بشكل مختلف ليست بالضرورة على نفس القدر من الجاذبية

تكمن جاذبية الحديث عن العشوائيات عند جمهور الأكاديميا الموازية في كونها موضوعاً آتياً من خارج السياق الأكاديمي الرسمي المهتم بجماليات الصورة , بينما يغفلون هم و نشطاء المشهد الموازي أن خطاب العشوائيات هو بمثابة “استشراق” الطبقة المتوسطة لفهم ذلك “الآخر” من الطبقات الأدنى . العشوائيات هرطقة طريفة لم يتحدث بها كثيرون من قبل و لن تتلقي عنها محاضرة في أثناء دراستك الأكاديمية , و هي أيضا فرصة جيدة لإثبات التفوق في سباق دؤوب للترقي الاجتماعي و هي ما يمكن أن يخلق موضوعا جديدا يمكنك أن تحصد به وجاهة أكاديمية مؤقتة .  العشوائيات بلا شك ستجعل حديثك شيقا في سياق يقتله الضجر من السفسطة حول نظريات لا مجال لتطبيقها هنا , العشوائيات هي ما يجعلك تبدو مجددا رافضا للتقليد , فضلا عن كونها مسحوق تجميل أكاديمي يأتي في غلاف فيلانتروبي يميزك عن غيرك من رواد التاون هاوس

الحل هو الحل
حقيقة الأمر أن العشوائيات بالفعل ملهمة , ليس لكونها “الحل” و لكن لكونها وطنا للأغلبية . غالبية سكان العالم بحلول العام الماضي انتقلوا من سكنى الريف لسكنى عشوائيات الحضر , كانوا يسبحون نحو المدينة في قوارب هي نفسها قراهم التي نزحوا منها , هي نفسها مشاكلهم التي هربوا للمدينة طلبا لحلها فإذا بهم يرسون بقراهم على شواطيء المدينة القاحلة , تسحقهم المدينة فينتهي بهم الحال في تجمعات ضخمة تعاني من ندرة الغذاء و الطاقة و الخدمات , تسبح فوق محيط من مياه الصرف , لا تقوى أعتى الأجهزة الأمنية على تأمينها . هؤلاء هم بالفعل الأغلبية

العشوائيات ليست حلا , لأنها كما هي تراكم للفطرة الإنسانية , هي أيضا تراكم للحدس الإنساني البدائي في توظيف القيمة . العشوائيات بالتأكيد نموذج مبهر في إفرازها للعديد من أنماط التعايش و آليات الاجتماع البشري  . لكن أحدا لم يسأل عن طبيعة هذا التعايش , فالعشوائيات تعرف تنوعا اجتماعيا و طبقيا ربما لا تعرفه المجتمعات المخططة . هناك أغنياء , مثقفون , و عاملون بالجهاز الحكومي يسكنون العشوائيات , لكن العشوائيات أيضا تعرف تشوهات مدمرة لبنية هذا التنوع . يمكننا الوقوف على أثرها إذا ما أدركنا أن الملايين الذين يسكنون العشوائيات يتكلمون بنفس اللهجة أيا كان الإقليم الجغرافي الذي ينتمون إليه (تشتشة حرف التاء كمثال : ياختشي , قولتشلك , إلخ) و يستهلكون نفس أشكال التعبير الفني (المهرجانات و موسيقا الدي جي الشعبي ) التي هي بالأساس امتداد لقنوات البث الذكوري الذي يؤسس للتشوه البنيوي في المجتمع المصري في عمومه

العشوائيات تعرف نمطا بديلا لإنتاج العمران , لكن أحدا لم ينتبه إلى أن البراجماتية هي الفضيلة الأصيلة للعشوائيات بنفس قدر كونها الفضيلة الأم التي أنتجت فكرة تخطيط المدن بالأساس , بل أن منطق القيمة في العشوائيات يعتمد في كثير من الأحيان على آليات هي نفسها آليات السوق التي أنتجت القيمة في المدينة المخططة (القرب من وسائل المواصلات و شرايين الحركة , القرب من أحياء مخططة , إلخ). و قد يبدو من المثير للجدل أن العشوائيات في إعادة انتاجها لمفهوم الأمن كانت أكثر قسوة حتى من أعتى المدن المسورة . هي فقط نسخة رثة لما تقدمه تلك المدن المسورة في تعبيرية المواد , و في ظل إعجاب سطحي بنموذج اجتماعي مغاير غابت حقيقة أن العشوائيات أقل عنفا فقط لأنها تعرف هيكلا أمنيا أكثر عنفا و قمعا من غيرها (راجع جرائم القتل و التمثيل بجثث الضحايا التي حدثت في أجواء احتفالية في عشوائيات عدد من المدن المصرية مؤخرا)

يجب ألا يفهم هذا الطرح على أنه إدانة للعشوائيات أو قاطنيها و لن ينتهي بالمطالبة بإزالتها من الوجود , بالعكس أرى أن العشوائيات نجحت في كثير مما فشلت فيه المؤسسة الرسمية للدولة , و أرى عند قاطنيها مفاتيح لحل الكثير من الأزمات التفصيلية لإدارة التنمية. المجتمع المصري بوجه عام يتمتع بقدرة هائلة على القيام بتلبية الخدمات و الاحتياجات الأساسية بشكل ذاتي دون انتظار الحكومة كي توفرها له , بدءا من أعمال النظافة العامة و الإنارة و التشجير و غيرها , لكن يجب أن نعي أيضا أن الإنبهار بالعشوائيات هو انبهار من ديناميات النموذج السياسي / الاجتماعي البديل الذي تطرحه في مجتمع يعاني من مشاكل المركزية , و لكنها كما هي تمثيل للخبرة الإنسانية في ظاهرة إنشاء المجتمعات فهي أيضا في نطاقها المحلي إعادة إنتاج لنفس مشكلات محيطها , و هي تمثيل فج للعلاقات البدائية بين المال و النفوذ و السطوة من ناحية و بين إدارة هذه المجتمعات من ناحية أخرى . هي فقط بديل مبهر من حيث كونها وسيلة و لكنها ليست بديلا من حيث النتيجة التي ستؤدي إليها

استفاقة
في ظل القصور الحكومي في التعامل مع واقع أزمة الإسكان بالشكل الذي ينذر بكوارث لن يكون آخرها إنهيار صخرة المقطم , و في ظل غياب الشعور بالمسؤولية الاجتماعية عند القطاع الخاص الذي يرى في أزمة الإسكان فرصة لانتاج المزيد من المجتمعات المسورة في صحراء القاهرة أو في أحسن الأحوال يرى أزمة الإسكان مسابقة للرسائل القصيرة للفوز بشقة يتنافس عليها الملايين , و في ظل المشهد الأكاديمي الرسمي المغيب , و عقم المشهد الأكاديمي الموازي , تظل العشوائيات نموذجا دراسيا لفهم النظم الاجتماعية و العمرانية التلقائية و المتولدة , لكنها ليست نموذجا قياسيا يمكننا اعتماده كخطة لمستقبل العمران في مصر . نعم يمكن للعشوائيات أن تكون دليلا مفيدا لفهم آليات السلوك الجمعي في أطر محلية يمكن توظيفها لحل المشكلات , لكن يجب أن يكون هذا الحل ضمن رؤية شاملة للتنمية يشترك فيها المدير [الدولة \ الحكم المحلي] و الممول [القطاع الخاص] و المخطط [الأكاديميا الرسمية و الموازية] و العميل [المواطن].  ـ

Curating the exhibit “Covering One’s Back”

image


مها مآمون والاء يونس


ما قبل


وجه مركز الجزيرة للفنون دعوة إلى المؤسسة الثقافية السويسرية (بروهلفتسيا) للتعاون لتنظيم معرض للتصوير الفوتوغرافي في صالات المركز يفتتح في مايو ٢٠١٣. لبت المؤسسة الدعوة وكلفتنا بدور القيّم الفني تاركة لنا حرية تحديد موضوع/اتجاه المعرض والفنانين المشتركين، على أن نراعي التركيز على الوسيط الفوتوغرافي، والتمثيل الموازي ما بين المشاركين السويسريين والعرب والالتزام بحدود الميزانية والمساحة المتاحة.

تطلب البحث في الأعمال ومقابلة الفنانين والمصورين العرب والسويسريين وقتا طويلا، لا سيما في محاولة معرفة كيف وعلى ما يمكن أن تلتقي المشاريع الفنية والفوتغرافية لهذه المجموعة الواسعة من منتجي الصور. وكذلك الطريقة التي تمكنهم من مخاطبة المشاهد في القاهرة التي لم تتوقف عن إنتاج واستهلاك فيضان من الصور المتمحورة على ذاتها فقط من بعد ثورة يناير.

كان السؤال: ما الصور التي نطيق النظر إليها الآن؟ وما الصور التي ستحتمل مواجهتنا؟

من هنا، بدا أن المساحة الوحيدة التي يمكن أن تلتقي بها اهتمامات المصورين العرب والسويسريين مع اهتمامات المشاهد هي المساحة التي يحددها المشاهد بنفسه، وقد أصبح بفعل ما مر ويمر به من ظرف شخصي وتاريخي، مُشاهد حادٌ، قليل الصبر على ما هو خارج إطار اهتمامه ووضعه الآني والآتي.  

الحذر والاصرار والشك والتحقق والطموح والانزواء والاستعراض والخداع والترهيب والتبرير وصون النفس، هي المشاعر التي ترافقنا بشكل يومي، الآن أكثر مما مضى. اتخذت هذه المشاعر كنقطة ارتكاز لمعرض “أمِّن ظهرك”، وكصلة وصل ضمنية بين المشاريع الفنية الثمانية في المعرض وما بين المُشاهد.

image

image


المعرض

إلى جانب المشاعر والمساحات المشتركة ما بين الجمهور والصورة، اهتم المعرض بإبراز أعمال من لغات وممارسات فوتوغرافية مختلفة، تبحث سواء بسواء في شكل وموضوع وسياق إنتاج الصورة واستقبالها.

حضر “جيمي شنادير” (1979) لهايني شتوكي بنظارة سوداء ووجه مصمت لا يبوح، ينظر مباشرة في الكاميرا، إلا أن مباشرته لا تشي بشيء. يحسن إخفاء ورقه. مذهل بكلا المعنيين للكلمة. ليس عليه أن يفعل شيئا أكثر ليستبقي اهتمامنا، ليهددنا أو ينجو منا. لم يأت وحده، بل مع مجموعة طاغية من الشخصيات الهامشية التي صادفها شتوكي في جولاته في شوارع مدينة برن السويسرية. شخصيات تقف على الحافة، قريبة ومألوفة لنا نفسيا برغم بعدها الجغرافي.

يليهم مقامرو سباق الخيول الذين صورهم ياسر علوان على مدى سنوات في نادي الجزيرة الرياضي القريب من المركز. يقف الرجال أمامنا مكشوفين وأجسادهم ملتوية بتنبؤات الربح والخسارة. “رغم كل العقبات” (1996 - 2001) وعلمهم بتزوير اللعبة، يقامرون على لحظة من خسارة وشيكة. كذلك يتماسك “غ.ر.ا.ه.ا.م” (2008)، وهو يحافظ على تعابير وجهه وصمته واتصال عينيه بالكاميرا، أمام أسئلة حسن خان الحثيثة ولربما المتعدية. بورتريه صامت ممتد في الوقت صُور بكاميرا فيديو.

نجد نوعا آخر من مواجهة الصعاب ومن التساؤل في ماهية الصورة الفوتوغرافية والمتحركة في مجموعة من حوارات أجراها غوران غاليتش وجان-ريتو غريدغ مع مصورين صحفيين محترفين. “مصورون في صراع” (2007)، هم أيضا يواجهون الكاميرا ويجيبون عن الأسئلة التي يوجهها الفنانين، كاشفين بعضا من أجندات خفية شخصية ومهنية للتصوير الصحفي.
image

image

 [“أراض متحركة” (2011) لجورج عودة]


ليس علينا بالضرورة أن نكون في مواجهة وصراع كل الوقت، يمكننا أن نتذاكى فنقفز عبر المستحيل. أن نعيد إنتاج ذواتنا. في “خذني إلى هذا المكان، أريد أن أفعل الذكريات” (2011)، للمجموعة الفنية “أطفال أحداث”، تختار الوجوه أجسامها من نماذج توفرها ستوديوهات التصوير التجارية في بعض البلاد العربية. لدى المرء فرصة أن يضع وجهه في الفراغ وينطلق. كن نفسك في مكان آخر، بشكل آخر، وإلى ما لا نهاية. متجاوزا كل قيود الواقع الغير رقمي.

هذه المنطقة المتحولة ما بين الواقع والنسخة المصطنعة منه هي التي يتموضع فيها “اللا حقيقي العظيم” (5-2009). مستعينين بمخزون من الحيل التصويرية والسينمائية، يخرج تايو أونوراتو ونكو كربس في رحلة برية لينتجوا صورا أسطورية جديدة لأمريكا. ما بين المرح والنقد، يأرجح الفنانان صورة أمريكا الهوليودية، شكلا ومضمونا، متجاوزان سيطرة الصور الشائعة.

بينما يقدم رفائل هفتي مجموعة صور توثق الخصائص الغير مرئية (السرعة والصوت) لفعل مادي بحت (اختراق رصاصة لوسيط) في “صورة رصاصة”(2009).  قياسات تقنية، وجدها الفنان في أرشيف شركة صناعات باليستية، أخذت بكاميرات خاصة لتقبض على صورة الرصاصة في لحظات معلقة ما بين منطلقها ومستقرها. صور علمية تقارب التجريد، منسلخة عن سياقها الجيوسياسي.

"معابر هادئة" (2009) في "أراض متحركة" (2011) لجورج عودة هي أيضا صور لفراغات تنحتها الحركة. آثار خافتة لمرور عمال / مهجرين / مهربين عبر الحدود أو في مناطق سكنية في مدينة بيروت. في عبورهم الطوعي أو القسري تتقاطع المسارات الشخصية بالسياسية.

image

[“خذني إلى هذا المكان، أريد أن أفعل الذكريات” (2011)، للمجموعة الفنية “أطفال أحداث”]

image

[من مجموعة “رغم كل العقبات” لياسر علوان]

ما بعد


مركز الجزيرة فضاء نشيط ويستقبل زوارا مهتمين بالفنون البصرية وكذلك زوار جاره متحف الفنون الإسلامية المغلق للترميم. للمركز حديقة ومسرح خارجي وقاعة سينما، ويندرج تحت إدارة قطاع الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة.

يمكننا أن نقول أن حضور المعرض جاء ناجحا جدا. وفد الزائرون في الافتتاح بأعداد كبيرة، ما بين طلاب الجامعات، ومزج من رواد مركز الجزيرة للفنون المتابعين لفعالياته ومن رواد الفضاءات والمؤسسات الأخرى التي نأتي نحن (كمنسقتان/فنانتان) منها. قليل ما يتقابل مثل هذان الجمهوران. بالنسبة لنا، كان من المثير أن نرى الوجوه المألوفة في وسط عديد من وجوه غير مألوفة، ونسمع الأسئلة أو التعليقات أو الضحكات أمام أعمال فكّرنا أيضا أنها طريفة. ربما تعودنا على التقسيم الموجود اليوم في وسطنا الفني: الفن الفلاني في الأماكن الفلانية، وانقسام الجمهور تباعا.

تكررت الأسئلة يوم الافتتاح: كيف أتيح لكما المكان؟ كيف كان التعامل مع العاملين فيه؟ ج: كانوا متعاونين جدا وراغبين في المساعدة وربما مكتفي الأيدي في كثير من الأحيان إزاء قلة الامكانيات المتاحة من القطاع والإجراءات الطويلة والصراعات الوظيفية على امتداد السلم الوظيفي. س: كيف نستطيع أن نعرض فيه؟ ج: تم الاتفاق ما بين مؤسسة بروهلفتسيا ومركز الجزيرة قبل ظهورنا في الصورة، ولكن المكان نظريا (بقاعاته ومسرحه وسينماه) متاح للحجز وبالمجان. س: ما هي معايير أو شروط القبول؟ ج: لا نعرف! ولكن عليكم أن توفروا بأنفسكم غالب المعدات وأن تتكفلوا بمصاريف الإنتاج وبأجور الأوقات الإضافية للنجارين أو النقاشين (المتاحين ولكن الأضمن أن تأتوا بعمالكم نظرا لضيق الوقت وبيروقراطية الإجراءات) وبأثمان الطلاء لو حاد عن اللون الأبيض وبالالتزام بإعادته إلى لونه الأصلي بعد انتهاء العرض. واعلموا بأن وحدات الإنارة عمرها قصير وأن المخزن تنقصه الموارد فعليكم أن تستعدوا بلمبات إضافية حتى لا تظلم أجزاء من القاعة خلال مدة معرضكم، وأن الأجهزة التي يوفرها القطاع عليها طلب كبير لذا قد لا تتوفر طوال مدة العرض. وأن الطلب على العرض في هذه القاعات كبير جدا لذلك قد تختصر مدة المعرض إلى اسبوع واحد أحيانا أو تضغط مدة تركيب وفك المعرض إلى يوم أو نصف يوم مهما كان حجم المعرض، مما سيؤثر قطعا على جودةالعرض والعمل الفني المعروض. س: هل هذه المعلومات منشورة في مكان ما وأين؟ ج: لا نعرف. س: لمَ تظل هذه المعلومات غير معروفة لعامة مستخدمي ورواد المركز وقطاع واسع من الفنانين المبتدئين ومن المحترفين الذين يعملون في هذا المجال وهذه المدينة منذ زمن طويل؟ ج: للعلم، يسري هذا الوضع على شبكة عريضة من الفضاءات التابعة لوزارة الثقافة.

في حوار على الإذاعة المصرية، س: لماذا اخترتم فضاء خاصا يخاطب فئة معينة ومحدودة من الناس؟ ج: هذا فضاء عام تابع لوزارة الثقافة، ونظريا زيارته متاحة للجميع. لو أحيط، أو غيره، بهالة “النخبوية” فإنما هو انعكاس للفجوات بين عموم الجمهور والسياسات الثقافية للدولة. س: هل يمكن تنظيم هذا المعرض في مركز للشباب مثلا؟ ج: يمكن تأهيل مثل هذه المساحات لتوفر ما تتطلبه طبيعة الأعمال الفنية من تقنيات وظروف عرض متخصصة، ولكن من يقوم بهذا الدور، بينما، ربما، من الأولى أن يعاد تأهيل وتفعيل دور وقصور الثقافة المنتشرة والشبه متوقفة عن العمل الحقيقي.

Beyond icons: graffiti, anonymous authors, and the messages on Cairo’s walls

image

SCROLL DOWN FOR ENGLISH

كتابة وصور شريف جابر

"النطاق العام"، كما يقول "ريتشارد سينيت"، "يمكن أن يتم تعريفه ببساطة على أنه المكان الذى يلتقى فيه الغرباء". نحن نتفاعل فى المدينة كل يوم مع أشخاص لا نعرف ما هى خلفياتهم التاريخية ورغباتهم الدفينة وآرائهم، ومع هذا نعثر على طرق مؤقتة ومبتدعة للشرح والتواصل. فى القاهرة المعاصرة، أصبحت حوائط المدينة مكانا يتواصل فيه الغرباء ويقوم من خلاله المؤلفون المجهولون بجذب أنظار المارة من خلال الآلاف من الرسائل التى دهنت على الجدران.


الكتابة والرسم على الجدران، أو ما يعرف بالجرافيتى، هو طريقة للتواصل جاءت من الشارع وإليه لتستهدف الغرباء الذين يسيرون به ولتخلق لنفسها جمهورا لا تتصل به بشكل يختلف كثيرا عن الاتصال بين أى غريبين فى المدينة. أصبح الغرافيتى أداة هامة للتواصل الاجتماعى وتبادل الرسائل بين الغرباء فى الحياة العامة: فهو لا يمر بعمليات النتقية والتنقيح المعتادة، بل يعبر مباشرة من المؤلف إلى الجمهور. وقد سمح هذا الأسلوب من التعبير للرسائل بتخطى مرحلة الرقابة التقليدية وأيضا كسر العزلة التى تخلقها وسائل الاتصال عبر الانترنت، حيث تفرض رسالات الجرافيتى نفسها على كل من يلتقى بها، سواء كان يرغب فى سماعها أم لا. ومع أن هناك أساليب أخرى للتواصل الأخرى تأخذنا باتجاه ما يمكننا أن نفهمه ونتقبله، فإن الجرافيتى والكتابة على الحوائط تواجهنا بأحاسيس وآراء كل من يعيشون فى المدينة بدون لف أو دوران.


لقد حدثت طفرة فى الجرافيتى على نحو جذب الأنظار منذ الأيام الأولى للثورة: حيث أصبح الجرافيتى وسيلة لعمل الصروح التذكارية وتخليد الشهداء وانتاج الفن فى الشوارع. ولكن بالإضافة إلى هذا كله، وبغض النظر عن قوة وجمال تلك الأعمال، فإن أغلب أشكال الجرافيتى تتميز بالبساطة من ناحية الشكل الجمالى والمضمون. معظم الجرافيتى الذى يقابلنا على الجدران هو من النوع الذى لا نكاد نلاحظه، فهو يتمثل فى عبارات او أشكال مرسومة باليد أو طبعات “استنسيل”، تشمل أسماء ورموز وإشارات ورسائل تخلو من أى محاولة فنية. ولكننا لو تجاهلنا الشكل، فإنه لن نستطيع تجاهل الرسالة. الكثير من الناس الذين يكتبون تلك الرسائل السياسية أو الثورية يرغبون فى كشف الأكاذيب وتشويه الحقائق الذى يحدث فى الصحافة التقليدية، وبعضهم يعتبرون كتاباتهم على الجدران نوعا من الصحافة البديلة. وتظل حوائط المدينة مفتوحة ومتاحة للجميع، حتى وأن كانت الكتابة عليها غير قانونية وتعرض من يقوم بها للخطر، فهى تسمح بتوصيل رؤية بديلة أو التعبير عن المشاعر السياسية أوالدعوة للتظاهر بشكل قد تتجاهله أو تعارضه الصحافة التقليدية.

image


لقد امتلأت المدينة بالرسائل التى كتب بعضها بدون اهتمام باللمسة الفنية أو بدورها الفنى (بمعنى فن الشوارع أو غير ذلك). وقد تحولت جدران المدينة إلى أنشودة صاخبة تصيح فى المارة عبر تلك الرسائل التى كتبها مؤلفو الجرافيتى والتى تمتد بطول المدينة وعرضها وتستخدم عنصر التكرار على نحو يجعل من المستحيل تجاهل مختلف تلك الدعوات للاحتجاج والمطالب وتأكيد الذات من قبل مختلف الأفراد والجماعات. يصف “برونو لاتور” التكنولوجيا بأنها شكل دائم من العلاقات الاجتماعية. فالتليفزيون والراديو وغيرها من وسائل الإعلام التقليدية تمنح أولئك الذين يتمتعون بالقوة والثراء القدرة على انتاج رؤية معينة، ومن خلال التوافق فى الآراء، تصبح تلك الرؤية وكأنها متسقة مع الواقع. ولكن يمكن معارضة تلك الرؤية من خلال الطلاء  المرشوش على الحوائط، وهو أداة رخيصة ومن السهل نقلها وإخفائها. وعلى هذا النحو يصبح فى استطاعة الآخرين، أو أى شخص فى الواقع، أن يخلق صحافة مشاكسة تابعة له وأن يكرر كتابة الرسائل على نحو يجعلها أكثر تأثيرا من أى من الشبكات أو القدرات الشخصية. يمكن لمظاهرة أن تسير فى منطقة ويسمع كل من بها هتافات المتظاهرين، ولكن لو استخدم أحدهم أنبوبة من الطلاء المضغوط فى كتابة تلك الهتافات على الحوائط، فإن أصداء الحركة الثورية التى مرت بالمنطقة سوف تتعلق بالمكان، لكى تذكر الناس بعد انتهاء المظاهرات بالحشود التى خرجت والمطالب التى قدمت. ولأن التظاهرات السياسية تخضع فى الأغلب للتحيز فى التغطية فى الصحافة والتلفزيون، فإن الجرافيتى قد أصبح وسيلة فعالة للإتصال المباشر، فهو يلعب دور الصحافة الثورية عندما يعلن على الجدران عن الاستعدادات لمظاهرة أو اعتصام أو مطلب جديد، فالتعبيرات على الجدران تتمكن من البقاء حتى بعد أن يقل الاهتمام وتضعف الذاكرة.


كتبت الصحافة، وبالذات الصحافة الغربية، كثيرا عن الجرافيتى، بل واعتبرته استعارة بصرية عن القاهرة “الثورية”. ولكن اهتمامها – المفيد منه وغير المفيد – تركز على الجداريات الكبيرة وفن الشارع. لذا فإن تعلقياتها فشلت فى رؤية خطوط الاتصالات والدور الإعلامى الذى يلعبه الجرافيتى على النحو الأكمل. ويعود ذلك أحيانا إلى أسباب بسيطة منها أن الكتاب الغربيين لا يقرأون العربية ولذا فإنهم لا يستطيعون فك طلاسم الرسائل والاتصالات المتتالية فى الشوارع، ويميلون لذلك إلى التركيز على الرسومات الواضحة القوة. وبدون أن نتفهم الدور العملى الذى يلعبه الجرافيتى فى الإتصال والتعبير، فإنه يصبح مسألة رمزية فحسب، أو يصبح مجرد صور مختارة وليس لها صلة بمهمة الاتصال، رغم أن تلك هى مهمتها الأساسية.


إننا نتحدث دائما عن كيف أن الثورة قد أدت إلى تسييس الكثير من الأماكن العادية بالقاهرة وملئتها بالمعنى وأضفت عليها المغزى. ولكن “لوفيبفر” يقول إن “هناك سياسات للمكان لأن المكان سياسى بطبعه”، وبينما نفكر أحيانا فى تسييس المكان على أنه فعل مباشر – مثل حالات الاستيلاء على الشوارع والميادين العامة فى أماكن لها مضمون رمزى مثل التحرير ومحمد محمود - فإننا لا يجب أن ننسى أن المساحات الموجودة فى مختلف الأحياء كانت على الدوام مساحات سياسية. المدينة كانت دائما سياسية ومسيسة، والدور الذى يلعبه الجرافيتى هو إبراز سياسات المدينة وشوارعها على الملء. والواقع أن الرسائل التى تنتشر على حوائط القاهرة توضح أن السياسة لا تحدث فقط فى تلك المساحات الرمزية التى تحيط بها كاميرات التلفزيون، ولكنها تتغلغل فى نسيج المدينة لتصبح جزءا لا يتجزأ من تفاعلات الحياة بها.

image


فى الوقت نفسه، فإن التغيرات التى يعبر عنها الجرافيتى فى تلك الرسائل التى تكتب وتمسح وتناقض بعضها وتكتب من جديد، تلك التغيرات تترك بصمتها على تاريخ ومسار الجدل القائم. هذا الدافع الذى يراودنا لكى نزيل أو نمسح الجرافيتى يبدو أن له نفس قوة الدافع لكتابتها. ولو تقبلنا فكرة أن الجرافيتى هو أسلوب للتواصل، فقد يمكننا أن نتقبل أن محاولات تحدى هذا النوع من التواصل تمثل جزءا لا يتجزأ من الصراع الدائر حول الثورة والمساحات التى تتم فيها. ولو لاحظنا أى الرسائل تظل فى مكانها على الجدران وأيها تتم إزالته، فإننا سوف نتابع مسار الصراع حول المساحة العامة وأيضا كافة المحاولات التى تبذل لمنع السياسة من أن تصبح جانبا من الحياة اليومية فى المدينة.


برغم كل المحاولات لإزالة الجرافيتى، فإن المدينة ما زالت تحمل تلك الرسائل، وما زالت الأحياء والطرقات تحتفظ بالكثير من الجرافيتى وكتاباته على جدرانها. وعندما تسير فى جوانب القاهرة، فإن يمكنك أن تشاهد توزيعا جغرافيا يختلف عما تراه فى أى خريطة، حيث يمكنك أن تعرف ما هى الأماكن التى مرت بها التظاهرات (ومن سار فى تلك التظاهرات) وما هى الشوارع التى  تعيش فيها أسر الشهداء، ومن هم مشجعو “الألتراس” الذين يعيشون فى المنطقة وما هى عادات التصويت فى مختلف المناطق وأيضا ما هى الميول السياسية والخلافات فى الرأى بين الجيران. وعندما تظهر تلك الأشياء على جدران المدينة، فإنها تجعل تلك العلاقات الاجتماعية والرسائل تحيا لفترة أطول وتخرج عن نطاق التفاعل بين المستمع والمتحدث. والنتيجة هى أن المدينة تصبح علنية على نحو أكبر، وأن الغرباء يضطرون إلى التفاعل معها، إن لم يكن وجها لوجه فعلى الأقل مع بقايا تلك الرسائل على الجدران. إننا نجد أنفسنا فى مواجهة الغرباء وتلك الرسائل التى كتبوها على الجدران. وليس هناك ما يمنعنا من أن نساهم (ولو بشكل غير قانونى) فى تلك الحوارات. باستطاعتنا نحن أيضا أن نترك على جدران المدينة بصمتنا الخاصة، وأن نضيف لمسة ما إلى التضاريس التى تعبر عن الغرباء وما يقولونه، وأن نعيد بناء المدينة من خلال رسائل جديدة.
image

image

Text and images by Sherief Gaber

“The public realm,” said Richard Sennett, “can be simply defined as a place where strangers meet.” In the city we interact every day with those whose personal histories, innermost desires, and opinions are not known to us, working out temporary and ad-hoc means of presentation and communication. In contemporary Cairo, the walls of the city have become a place where strangers are most likely to communicate, as anonymous authors capture the attention of the passer-by and thousands of messages are painted on the walls.

Graffiti is communication produced by and for the street and strangers, pointing itself towards an audience that it does not know, who share as much as any two strangers in a city but no more than that. Graffiti has become a supremely valuable means of social communication, of messages shared between strangers in public: it is unfiltered, unedited and passes immediately from the author to the audience. This has allowed messages to bypass the censorship of traditional and the isolation of internet-based new media, forcing themselves on everyone who walks past, whether they want to hear them or not. Whereas other forms of media draw us to what we identify with, graffiti and writing on walls confronts us with the whole of everyone in the city, and their opinions, as they appear in plain view.

image

There has been an explosion of graffiti, and a great deal of attention paid to it, since the beginnings of the revolution: graffiti has been a means of creating monuments, commemorating martyrs, producing art in the streets. But in addition to all this, and notwithstanding how powerful and beautiful those works can be, the vast majority of graffiti is much simpler, aesthetically and in the meaning it carries. Most of the graffiti that we see, we hardly notice, the hand-drawn drawings and messages, basic stencils, names, symbols, and other marks and messages without any artistry to them. While we pay little attention to its form, however, we cannot help but read the messages. Many of the people writing these political or revolutionary messages explicitly reference the lies and distortions of the traditional media as motivation for taking to the walls, some going as far as to describe their work as a form of alternative media. The walls of the city are a free and accessible, if not illegal and at times risky, space for the communication of an alternative narrative or political sentiments and calls to protest that are ignored or attacked by the traditional media.

The city has become full of messages, most of them written with no regard to their aesthetic or their value as art (street art or otherwise). The city walls become a gauntlet that bombard pedestrians with the graffiti authors’ messages, spreading them far and wide and through constant repetition, making it practically impossible to ignore these various calls to protest, demands, statements of presence of a certain individual or group. Bruno Latour describes technology as social relations made durable. Television and radio give those with power and wealth the ability to produce a certain narrative, and through consensus make that narrative appear hegemonic. Opposing this, the physical tenacity of spraypaint, and its inexpensive, concealable and portable nature, allow for others, anyone even, to create their own guerilla media, proliferating messages that reaching far beyond their individual networks or capabilities. As a march passes through an area and the chants are heard, others with spraycans in hand scrawl the chants onto walls, leaving semi-permanent echoes of the revolutionary movement that passed through, reminding people long after the march has gone of the mobilization and the demands that they made. Where street politics are often limited by biased coverage in television and media, graffiti is a means of providing direct communication, creating revolutionary bulletin boards for the next protest, occupation or demand, as tenacity challenges selective attention and memory.

The press, particularly the western press, has written a great deal about graffiti, using it as a visual metaphor for “revolutionary” Cairo, but in focusing–rightly or wrongly–on the large mural pieces and the street art scene, this commentary fails to see, quite literally at times, these lines of communication and the media role of graffiti. Often this is for reasons as simple as Western writers not being able to read Arabic and therefore pay attention to the layers of messaging and communication on the streets, focusing instead on the visually compelling. Without seeing or understanding this communication and the directly practical roles it plays, graffiti becomes merely symbolism, appropriated imagery disconnected from the actual work of communication taking place.

image

We often speak of how the revolution politicized many of Cairo’s ordinary spaces, filling them with significance and meaning. Lefebvre, however, says that “there is a politics of space because space is political,” and where we tend to think of the politicization of space as a direct act, the takeover of public streets and squares or street art in symbolic spaces like Tahrir and Mohammed Mahmoud, we should not forget that everyday, neighborhood spaces are always already spaces of politics. The city is always already political and politicized, but graffiti bears the function of making the politics of the city and the streets manifest, explicit. The messages strewn about the walls of Cairo show that it is not just the symbolic spaces surrounded by television cameras where politics occurs, but that politics is part of the very fabric of the city, inescapably part of the interactions of city life.

At the same time, the precession of graffiti, as messages are written, scrawled over, contradicted, erased and written again, leaves its own traces of communication and histories of argument. The impulse to deface or erase graffiti is as strong as the impulse to write it, it would seem. Considering graffiti as a means of communication it becomes clear that the attempts to challenge this communication are part of the fight over the revolution and the spaces it takes place in. The question of what messages persist and which are erased is itself a conflict over public space and attempts to suppress politics as a part of everyday life in the city.

Notwithstanding the continual attempts to remove graffiti, the city bears these messages, and neighborhoods and streets become defined by the graffiti that has been written on their walls. Walking through Cairo, one can assemble a different geography not found on any maps, learning where protests pass through (and who made up these protests), the streets that families of martyrs live on, which ultras are represented in which neighborhoods, the voting habits of different neighborhoods, and even the political orientations and disputes between neighbors and opinions. Putting this up on the walls, in the city, makes these social relationships and messages durable, lasting, and extend beyond the private interactions between a speaker and listener. The result of this is a city that becomes more public, as strangers are forced to interact not only face to face, but with the remnants and imprints of these others on the walls. We are confronted by strangers and strangers’ messages on the walls, and we are likewise free (if not legally allowed) to contribute to these debates, to mark the city and its walls and add to this geography of strangers and their speech, building the city through these messages.

 image

image

Profile: Antoine Selim Nahas

image

[Doss building, downtown Cairo, b. 1933 عمارة دوس، وسط البلد بنيت عام ١٩٣٣]

SCROLL DOWN FOR ENGLISH

كتابة علا سيف، ترجمة نبيل شوكت

هل يخطر لآلاف من الناس الذين يعبرون ميدان التحرير أوميدان مصطفى كامل بوسط البلد أو يسيرون على مقربة من دار القضاء العالى كل يوم أن يتساءلوا عن المعمارى الذى بنى بعض الأبنية القريبة والتى تركت بصمتها على القاهرة المعاصرة؟ الإجابة هى على الأغلب بالنفى، برغم أن بعضهم قد يعرف الأسماء الأصلية لتلك المبانى، مثل عمارة “بحرى” أو “دوس”.

لقد تعمد المعمارى “أنطوان سليم نحاس” (1901-1966)، الذى قام بتصميم تلك المبانى ألا يضع عليها لافتة تحمل اسمه. لكنه اشتهر فى الأربعينات والخمسينات بأنه حامل لواء التجديد فى حى وسط البلد، حيث قام بتصميم الكثير من المبانى الحديثة. فى أوائل الثلاثينات، كسب “نحاس”مسابقة لتصميم المتحف القومى فى بيروت (ما زال قائما) بفضل مشروع أعده للتخرج من مدرسة الفنون الجميلة فى باريس عام 1932 مع استاذه “لوبرانس رينجيه”. كان هذا هوالمشروع الأول فى حياته المهنية.

وتشاء الأقدار أن تختاره الحكومة اللبنانية فى منتصف الستينات، أى بعدها بثلاثين سنة، لكى يقوم بتوسيعه. ومن المفارقات الحزينة أن هذا المشروع أصبح آخر مشروع له، حيث توفى مباشرة بعد اتمامه فى 1966.
كانت القاهرة تمر بفترة من الانتعاش المعمارى والاقتصادى عندما قرر “نحاس” أن يستقر بها عام 1936، وعلى امتداد الثلاثة عقود التالية أتم الكثير من الأعمال بتلك المدينة. لقد اهتم معاصرو “نحاس” من المعماريين فى تلك الفترة ببناء مبان صناعية وحكومية وريفية، ولكن “نحاس” ركز فى عمله على المعمار السكنى، باستثناءات قليلة منها نادى الصيد فى الدقى (1939) وكنيسة قصر الدوبارة (1949) وكنيسة “كوليج دى لا سال”1958

وبينما عكست مبانيه فى وسط البلد الطابع التجارى للحى المذكور والذى يزداد فيه الطلب على الشقق الصغيرة والمتوسطة الحجم والتى تصلح كمكاتب أو عيادات، فإن مبانيه اللاحقة فى الزمالك والجيزة على شاطىء النيل تميزت بالفخامة والطابع السكنى الواضح.

أصبحت عمارة شركة “ليبون” للتأمين فى الزمالك فى الخمسينات والتى تطل على حديقة الأسماك سكنا لكثير من مشاهير السينما مثل “فاتن حمامة” و”فريد الأطرش” وغيرهم، وهى أكثر عمارة ظهرت فى أفلام الأبيض والأوسود فى الخمسينات والستينات (مثل “حكاية العمر كله”). وهناك عمارة أخرى ربماتكون أقل شهرة فى عالم السينما ولكن ليست أقل أناقة، وهى عمارة “أبو الفتوح” فى الجيزة، والتى توجت حياة “نحاس” المهنية فى القاهرة. كانت تلك العمارة هى آخر مشروع له فى القاهرة وكانت أعلى عمارة فى القاهرة فى وقتها، بارتفاع 33 دورا.

image

لسوء الحظ، لا نعرف الكثير عن عمل “نحاس” فى التدريس فى كلية الفنون الجميلة فى الزمالك، باستثناء صورة له وجدت فى أرشيفات الأسرة مع زملائه “على لبيب جبر” و”حسن فتحى” والفنان “بيبى مارتين”. عندما رحل “نحاس” نهائيا من القاهرة إلى إيطاليا ثم بيروت فى أوائل الستينات، ترك خلفه أرشيفاته التى تبعثرت أو اختفت تقريبا. لذا ظل تاريخه غامضا بالنسبة لمؤرخى المعمار حتى الثمانينات، عندما ألقت الأبحاث التى قامت بها “مرسيدس فوليه” وأيضا الموقع الالكترونى “لسمير رأفت” الضوء على أعمال هذا المعمارى، وذلك بناء على بعض الأوراق التى احتفظت به عائلته التى تقيم حاليا فى الولايات المتحدة. بعدها بعشر سنوات، ظهر بالصدفة صندوق كارتون به بعض المخططات المعمارية والمراسلات المكتبية الخاصة بالإستشارات المعمارية بين “نحاس” وزبائنه، مثل شركة “الشمس” وشركة الحلويات السويسرية “جروبى”، حيث تم العثور على هذا الصندوق فى متجر للأشياء المستعملة فى ضاحية بالقاهرة. ومن المقرر أن تنشر محتويات هذا الصندوق فى كتاب.

فى الوقت نفسه، قامت عائلة “نحاس” بإنشاء موقع إلكترونى تكريما لذكراه. يقدم الموقع معلومات عامة عن واحد من أهم رواد المعمار فى مصر. ولعله أيضا يقدم إلهاما لعائلات كبار المعماريين الآخرين مثل “محمود رياض” و”نعوم شبيب” و”عبد الباقى إبراهيم” لكى ينشئوا مواقع مشابهة

image

[Aziz Abd el-Malek Hanna Building, Midan Sheraton, Giza b. 1938 عمارة عبد المالك حنا في ميدان شيراتون بالجيزة، بنيت عام ١٩٣٨]

By Ola Seif, translation by Nabil Shawkat

Do the thousands that daily cross Tahrir, Mustafa Kamel and the Supreme Court squares in downtown Cairo ever wonder who the architect of its modern landmark buildings is? Probably not but perhaps some would recognize the buildings’ original names such as the Bahari or the Doss buildings. This is the case for most of architect Antoine Selim Nahas’s (1901-1966) edifices which intentionally never bore a foundation plaque crediting him. Nevertheless, in his time he became reputed, in the forties and the fifties, as the modernizer of the Cairo downtown district, because of his prolific architectural contributions to its skyline. In the early thirties his graduation project in 1932 from the Ecole nationale des Beaux arts in Paris, jointly with his Parisian professor Leprince Ringuet, won a contest to design Beirut’s National Museum (still extant). This was the first project in his career. And as fate has it, thirty years later the Lebanese government commissioned him in the mid sixties to expand it. Ironically and sadly, it became also the site of his very last project as he died in 1966 right after its completion.

 image

image

[Above: Nahas with fellow teachers at the Fine Arts school in Zamalek نحاس مع زملائه من مدرسين الفنون الجميلة فالزمالك

Below: National Museum in Beirut المتحف القومي في بيروت]

It was to an architecturally booming and an economically prosperous Cairo that Nahas chose to return and relocate in 1936 and where he spent the next three productive decades of his career. Unlike his contemporaries who built industrial, public and rural structures almost all of Nahas’s works were exclusively dedicated to residential architecture except for the projects of the Shooting club in Dokki (1939), and the Qasr el Dubbara (1949) and the College de la Salle (1958) churches. While his buildings in the downtown area reflect the commercial nature of the downtown district by providing small and medium size flats that lend themselves to business offices or clinics, in contrast his later buildings on the Zamalek and Guiza shores of the Nile were of a more upscale and residential nature. The iconic Lebon insurance co. building in Zamalek in 1950s, overlooking the Fish garden, became home to many cinema celebrities such as Faten Hamama and Farid el-Attrash among others and the most featured building in the black and white movies of the fifties and sixties (ex. Hikayet el ‘Umr Kullu). Perhaps less featured cinematically but equally elegant is the Aboul Fettouh building in Guiza which crowns Nahas’s career in Cairo doubly. On chronological grounds it was his last project in Cairo and secondly, its boasting new height record of thirty three floors.

Unfortunately, little is known about Nahas’s teaching career at the Ecole des beaux arts (al-funun al-Gamila) in Zamalek except for a photograph found in the archives of the family with his colleagues Aly Labib Gabr, Hassan Fathy and artist Bépi Martin. Due to Nahas’s final departure from Egypt to Italy then to Beirut in the early sixties, the bulk of his archive was left to be liquidated, if not dispersed, by his office personnel. As a result, he remained in the shade to architectural historians until in the eighties the scholarly work of Mercedes Volait and Samir Raafat’s website shed light on him based on the little that his family, currently in the United States, had kept. A decade later, a carton box containing some plans, elevations and official correspondences referring to architectural consultancies between Nahas and his clients al-Chams company and the Swiss chocolatier firm Groppi surfaced coincidentally in a junk store of a Cairo suburb. Its contents are on their way to become the subject of an upcoming publication.

In the meantime, the website www.antoinenahas.com was compiled and launched by Nahas’s family to commemorate him. It served not only to provide “at a glance” information about one of Egypt’s pioneering Egyptian architects but also inspired families of other leading architects such as Mahmoud Riad, Naoum Shabib, Abdel Baki Ibrahim to launch similar sites.

image

[Bahari buildings in Tahrir Square built in 1934 عمارة بحري في ميدان التحرير، بنيت عام ١٩٣٤]

Cairo’s informed/informal ‘Brick Cities’

by Jason Hilgefort, of Land+Civilization Compositions

INFORMAL CANNOT BE FORMALLY DEFINED

Informal communities are quite a fashionable topic these days. Most people use the term ‘informal communities’ as a more polite/academic way to say slums, favelas, etc. These words conjure up images of shanty towns in places like India and Brazil. The reality is that there is a huge gradient of community types that fall under the title of ‘informal’. Informal communities basically are defined as those that are not recognized by the government. And if one had to come up with general classifications for them, across many countries, regions, and government structures; they could be thought of as those that are inhabiting existing buildings [squatting], self built, and collectively built. However, there is another type that needs to be added to this classification – ‘developer driven’ informal housing. These so called ‘brick cities’ are pervasive on the edge of Cairo. They represent a different way of creating affordable housing as well as the mode of thinking and dealing with issues of informality.

LOOKING BACKWARD, WHILE MOVING FORWARD

But how did these communities come into existence? Obviously it is via a long, layered and complex series of events and actors; but for this piece we will only give an abridged version of the causes. In an effort to limit the development of Egypt’s rare and precious fertile lands, the government put forth a policy of building satellite cities, so as to dissuade the expansion of existing cities beyond their borders and into their hinterlands. Much of the planning/regulatory community around the world thought this way – 50 years ago. But the National government, City of Cairo, and most of the dominant planning community it seems has not advanced past this ideology.

BRICK CITIES

The planned satellite cities, for numerous reasons, have not been appealing to the masses. In light of governmental and professional disinterest, the people of Cairo have taken action. Accompanying the planned new towns, there are regulations preventing development of the rich farmlands on the outskirts of Cairo. However, the enforcement is lax – to say the least. The owners of these lands are often not wealthy. And the demand for cheap housing near a city filled with opportunity, like Cairo, is very high. A common practice is for these land owners to sell the right to ‘developers’. These developers rapidly build housing on these plots [hence the ‘brick city’ title, as the most common form of construction is concrete structure with brick infill], without permits from the city [the buildings can be up to 15 stories in height]. They then sell the housing units to a series of families; and those families move in and take over ‘ownership’ of the building; with the developers then disappearing, untraceable to governmental agencies.

Now, in terms of the loss of fertile soil, obviously the consequences of this development pattern are terrible. However, in terms of cost efficiency of providing low income housing, it is fantastically efficient. A good example of how the government getting out of the way of the people is perhaps for the better. But the difficult reality for the citizens and for the government is that part of the reason the development is so cheap is that no infrastructure is provided. And once the citizens move in, they naturally begin to desire/demand infrastructure. This puts the government in the awkward position of having to provide infrastructure where it was neither considered nor designed for. Not to mention the fact that it forces the government to ‘reward’ these informal developments. This is terribly inefficient, difficult, and expensive.

WHAT THE GOVERNMENT CAN DO, FOR THE PEOPLE

For one, the government and planning community at large need to acknowledge the reality on the ground. If they were to embrace these conditions, they could see that there is great potential in this model of development, with a need for only a few modifications.Two, they should consider light regulations to these current realities, to ensure higher standards for the residents. By looking the other way, at times the quality of light, air, evacuation, etc can be substandard. They could also contemplate ‘preemptive infrastructure’. Laying the infrastructure before the development – it could give initiative on where building can/should happen and avoid the costly realities of fitting it in later. But the bigger challenge lies not in preemptive acts, but in how to retrofit the existing communities. And this is where the planning and architecture professionals have potential to make a huge impact.

WHAT URBANISTS AND ARCHITECTS CAN DO FOR THE PEOPLE

In general, in a country with so much happening on the ground, Egyptian architects and urbanists, generally, seem to be more interested in looking backward. Many initiatives/talents are focused on the past. Obviously, Egypt has a rich history and a rich urban fabric to prove it. And much of it is being lost and needs attention. However, much can be learned from what is happening on the ground, now, by the people. These qualities also must be appreciated, embraced and protected. After all, by many accounts, the informal settlements of Cairo house nearly two thirds of the residents of Cairo.

Given the poor vision of the government and the initiative of the people of Cairo, it is incumbent upon the planning/architecture community to accept the challenge of developing strategies for retrofitting these cities. It is an opportunity for innovation within the profession and for community development models worldwide. The way forward is not clear, but there are a series of possibilities to consider:
-Public space as a kit of parts. Instead of trying to insert standard public space elements into these communities or custom designing each space, perhaps a series of public space amenities could be developed as prototype elements and citizens could apply to receive/use them in their community. They, themselves, could insert them, with each community customizing their own public space, mixing and matching them as they see fit.

-New forms of hard infrastructure. Inserting sewage, water and power infrastructural will be daunting in these spaces. However, this is a chance for designers to create small scale, local, cost effective modes of delivering these services. Standard infrastructure is not necessary and can and should be reconsidered.

-New street types. Again, the standard street typologies are not appropriate for these communities. There is an opportunity to develop new street types. One example would be from the ‘shared surface’ models developing elsewhere. Which, in reality, these are the way the historical streets of cities like Cairo used to function.

-New forms of Transit. Inserting metro or even buses will be very difficult within these communities. However, one can think of micro transit systems that link to larger systems. This layering of economically efficient transit modes and ensuring their interconnection will be key for these communities’ long-term evolution.

-Recapturing lost soil. This is perhaps the most difficult problem to solve and there will never be a full recovery. However, the communities are ideal for contemplating urban agriculture. How could the urbanism community assist/guide the local citizens to harness the potential of locally grown food?

-Ownership of public space. Given the ownership issues of these communities, there is a chance to reconsider the traditional assumptions of landownership and stewardship in cities. Could a new model of the public realm be considered? Could citizens ‘own’ the public space and thus take more personal responsibility for it? Could this lead to greater care for the public space? This could lead to a greater interest in the self enhancement of the public space for the greater good of the community.

 

WHAT WE CAN LEARN

The development and reality of these communities provides many lessons, both locally and internationally. For one, utopian or idealistic models should be questioned, if not cast aside, as a mode of thinking and planning. After all, besides in films, people don’t live in utopias. There is a power in seeing each city as an organism to attempt to understand and to learn from. Instead of solely replicating models from outside of Cairo, perhaps the best thing urban and architectural professionals can do first is to learn from the urban realities and citizens of Cairo. Urban planning does not need to be so planned and dogmatic. It can be more nimble, adaptable and innovative. At times, perhaps the best strategy is to allow the people make their own city. However, this in no way frees them from their obligations to the people. There is much that the professional/governmental realm can do to help the people. And lastly, and perhaps most importantly, this model of developer driven, collective, locally solved attitude towards low income housing is an example that many other cities, both inside and outside of Egypt, can and should learn from. These brick cities and their citizens, despite being derided and ignored by their government and urban professionals, have created a new model that wields the power of citizens and informality in new and quite successful ways.

 

This article would not have been possible without the brilliance of the work of David Sims. Particularly: “Understanding Cairo: The logic of a city out of control.” And many thanks to May Al-Ibrashy, May El Tabbakh, Mohamed Elshahed, Omneya Abdel Barr for sharing their thoughts and insights.