Cairobserver

Posts tagged criticism

Concepts in city branding

image

بقلم: د. علي عبد الرءوف

أستاذ العمارة ونظريات العمران

التركيبة السحرية لمذاق مشروب الكوكاكولا لم تكتشف بعدكان هذا هو نص الخبر الذي تناقلته وكالات الإنباء العالمية بعد انتشار إشاعة الوصول الى سر التركيبة للمشروب الذي أسر العالم وغير مفاهيم الاقتصاد والإعلان ومخاطبة الجماهير والتسويق. المثير أن المشهد العمراني المحلي والإقليمي والعالمي المعاصر قد يرى فائدة كبرى في التعلم من تجربة الكوكاكولا ليس فقط كتركيبة مذاق سحري ولكن كإستراتيجية تسويق متنوعة وديناميكية وشديدة الفعالية في عصر التنافسية المحمومة التي امتدت لتشمل مدن العالم .والواقع أن خلق شخصية تسويقية للمدينة هو مفهوم هام ويصعب استيعابه وتفسيره في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من انه مفهوم جديد ولكنه أصبح حتمي التطبيق لأي مدينة تسعى للنمو والتطور في العالم المعاصر. ولو نظرنا مرة أخرى إلى تجربة كوكاكولا فإننا نندهش من أن حتى شكل الزجاجة أصبح علامة مميزة يتعرف عليها المستهلك حول العالم. المدن أيضا يمكن أن تكون انطباعات بصرية ذهنية تميزها عن مدن أخرى بالتركيز على ما تملكه وبالتخطيط لإضافة أبعاد جديدة لشخصيتها المعمارية والعمرانية.

image

من هي مدينتك؟

بداية أشرك القارئ في الأطروحات النظرية الأكثر معاصرة التي أسست لحقبة جديدة في تفسير نجاح المدن ومن أبرزها الفكر التنموي الذي صاغه المخطط والباحث في مجال دراسات التنمية ريتشارد فلوريدا (Richard Florida) الذي أسس لحقبة جديدة في تاريخ المدن ومناهج تخطيطها وأساليب نموها فمشروع فلوريدا الفكري بدأ بكتابه المعنون نشأة الطبقة المبدعةوالذي نشر عام 2002 (The Rise of Creative Class) وتناول فيه طرحا جديدا لفهم نسيج المجتمع الإنساني في حقبة ما بعد العولمة فبالفعل العالم تجاوز تلك الحقبة وأصبح تواصل الأفكار والأسواق والاستثمارات وانصهار الحدود المكانية والجغرافية سمة غالبة تشترك فيها كل المجتمعات المتقدمة وكذلك المجتمعات الساعية إلى حياة أفضل.

وفي كتابه التالي من هي مدينتك” (Who’s Your City?) فقد تعمد فلوريدا أن تكون المدينة في العنوان بلغة العاقل بل انه يذهب إلى ابعد من ذلك عندما يضيف قرارا ثالثا إلى أهم قرارين يتخذهما الإنسان المعاصر في حياته بإجماع علماء النفس والاجتماع وهما المتعلقين بماذا يعمل؟ وبمن يرتبط؟ ويضيف فلوريدا قرار جديدا نابع من تداعيات مجتمع ما بعد العولمة، وهو قرار أين تقيم؟ والى إي مكان على خريطة العالم تنوي أن تختار وطنك الجديد؟ وهذا الطرح وثيق الصلة بظهور ما يسمى بالمواطن العالمي أو ما أطلق علي أيضا عمال المعرفة نسبة إلى قطاع جديد من أصحاب العقول المجددة المفكرة المبدعة التي تعتمد على مساهمتها في القطاع المعرفي أو بالأحرى مجالات الاقتصاد المعرفي كأساس لنجاحها المهني، وهذه الظواهر هي التي دفعت فلوريدا إلى أن يحذر من أن هروب الطبقة المبدعة والمثقفة من المدينة يؤدي إلى وفاتها تبعا لتعبيره.

image

هذا القطاع الجديد من المجتمع الإنساني يصيغ تصورا جديدا للعلاقة مع جغرافية المكان فهو يتجاوز الإبعاد العاطفية التي تجعل البعض يتمسك بموطنه الأول وتجعل قدرته على التحرك محدودة ومقيدة بنطاق جغرافي معين قد لا يتجاوز في بعض الأحيان عدة كيلومترات من مكان ميلاده ونشأته كما هو الحال مع قطاعات كبيرة من المجتمع العربي ، هذه الفئة الجديدة من المجتمع الإنساني شديدة الحيوية والديناميكية لها تطلعاتها وأمالها في المكان الذي تختاره وطنا وفضاءا لإطلاق العنان لقدراتها التجديدية والإبداعية في عصر الاقتصاد المعرفي والإبداعي الذي يتأسس على قيمة الأفكار، ومن ثم فان ظهور هذه الفئة ساهم في بلورة توجه جديد في الفكر التخطيطي والعمراني طرحته الأدبيات تحت عنوان التنافسية العمرانية التي دفعت كل مدن العالم اتلي تسعى إلى موقع متميز على خريطة عمران القرن الواحد والعشرين.

لم يعد قرار الهجرة أو الانتقال إلى مدينة أو دولة جديدة شرطه الوحيد العائد المالي الأوفر ولكن بالنسبة إلى عمال المعرفة أصبحت المنظومة الاقتصادية المكنية البيئية للمدينة هي المؤسسة لمجموعة المعايير الأكثر ملائمة لإيقاع عصر الاقتصاد المعرفي والإبداعي. ومنذ ظهور فكرة التنافسية العمرانية ظهر متتابعا معها الآليات والمناهج التي تتبناها المدن ومن أهمها سياسات تسويق المدينة للمساهمة في ترسيخ تواجدها على مسرح عالمي متنافس والإنسان له فيه حق اختيار غير مسبوق بسبب تعرفه اليومي بل اللحظي على كل ما يحدث في عالم اليوم الذي لم يصبح فقط قرية صغيرة كما سبق أن طرح، ولكنه أصبح عالم تفاعلي تعرف وتشعر فيه شعورا لحظيا بما يحدث فيه حتى لو على بعد الآلاف الأميال من مكانك المادي الفعلي. الأكثر راديكالية في سياسات تسويق المدينة ان يتم تحويلها الى ماركة أو شخصية تجارية تؤثر في وعي الناس وتحولهم من معجبين بها الى مناصرين لها ومدافعين عنها بل ومسئولين عن إقناع الآخرين بتكوين أفضل الانطباعات الفكرية والتخيلية عن المدينة. فالتسويق هو عملية البيع والشراء في إطار سوق معين أو بالأحرى الوظائف التجارية المتعلقة بتحويل المنتجات من المصنع الى المستهلك ، أما صياغة شخصية تسويقية مميزة لها قيمة رمزية كالماركات العالمية للمدينة فهي عملية تتطور في عدة مراحل أولها الوعي بالمدينة ولفت الانتباه إليها ووصولا الى الإيمان بها والدفاع عن مكانتها وقيمتها بحماس نرصده بوضوح في حوارات الناس عن مدن مثل باريس ولندن ونيويورك

image

التساؤلات الهامة إذن كيف تخلق المدينة شخصيتها؟ كيف تسوق المدينة نفسها؟ فلم يعد مثيرا للدهشة استعانة المدن بخبراء تسويق عالميين لصياغة الإستراتيجية التسويقية لمدينة ما ، وللإجابة نطرح أهم الاستراتيجيات التي يمكن إن تحقق رؤية المدينة لشخصيتها المتميزة وهي:

أولا: القدرة على استقطاب الأحداث والفعاليات الهامة ذات التأثير العالمي.

لم تعد المدينة المعاصرة تحاور سكانها وإنما تمتد لتحاور العالم في عصر ثورة الاتصالات والقدرة الغير مسبوقة على التواصل وجزء هام في هذا التواصل هو الانتقال إلى مرحلة استقطاب الأخر من خلال القدرة على استضافة أحداث فنية ورياضية وثقافية واقتصادية تعمق فكرة التواصل مع الأخر والرغبة في الانفتاح على العالم وتؤكد على القيمة العالمية للمدينة وتعيد صياغة عمرانها وعمارتها لتتمكن من لعب هذا الدور العالمي.

image

ثانيا: توظيف الرصيد المعماري والعمراني بشقيه التاريخي والمعاصر.

ما تملكه المدينة من تراث معماري وعمراني له قيمة هو أداة جوهرية لتسويقها إذا تم تفعيله بالحفاظ عليه أولا ثم بتقديمه لخبرات جديدة للتفاعل مع المكان من خلال إعادة توظيف هذا التراث كما فعلت مدن عربية مثل دمشق العتيقة وحلب في سوريا أو فاس ومراكش بالمغرب. وبنفس القدر من الأهمية فان ما سوف تملكه المدينة في مشروعاتها المستقبلية يلعب دورا حيويا في تسويقها فالواقع أن العمارة المثيرة المبدعة أصبحت من أهم أدوات التسويق العمراني للمدينة. ولقد كان متحف جوجينهايم في مدينة بيلباو الأسبانية من تصميم المعماري الأمريكي فرانك جيري بداية الشرارة لمنهجية جديدة تعيد إحياء المدينة وتسويقها من خلال مبنى واحد يقدم طفرة تشكيلية وجمالية وبصرية في عمران المدينة. واليوم أدركت المدن العربية هذا المعيار وهي تتنافس في استقطاب نجوم العمارة اللامعين لترك بصماتهم على خريطتها المعمارية فاقتربت لمساتهم من الشرق بعد اقتصار إبداعهم على المدن الغربية وتوالى تدفقهم الى الساحة الشرق أوسطية بداية من فرانك جيري وجين نوفيل وتادو اندو ومايكل جرايفز واى ام بي ووصولا إلى زاها حديد وجميعهم يصيغون إبداعاتهم في المنامة والكويت ودبي وابوظبي والقاهرة ودمشق والدوحة.

image

الواجهة البحرية لمدينة الدوحة العاصمة القطرية حيث يبرز مبنى المتحف الإسلامي من تصميم المعماري العالمي اي. ام. بيي I. M. Pei. (تصوير: د. علي عبد الرءوف)

ثالثا: البحث الجاد عن تميز المدينة الطبيعي ، الثقافي ، والإنساني.

قد يكون تميز المدينة من جبال تحيط بها أو أنهار تخترقها أو من وجود المقومات الثقافية رفيعة المستوى وخاصة المتاحف بأنواعها المختلفة وقد تكون بيئات التسوق الجديدة التي تتجاوز الأفكار التقليدية أو من خلال قدرة المجتمع الإنساني بالمدينة على الاحتفال ووجود الفراغات العامة والحياة التي تقدمها المدينة من خلال تلك الفراغات وخاصة من حيث الاحتفالات والمهرجانات والكرنفالات سواء كانت ثقافية أو فنية أو شعبية أو دينية روحانية. وحتى لو كان ما يميز المدينة أسلوب التنقل خلالها كما هو الحال في مدينة فينيسيا الايطالية بقواربها الجندولية الشهيرة أو بالعربات اتلي تجرها الخيول في وسط مدينة فيينا النمساوية أو الحافلات الحمراء الشهيرة وهي تتجول في العاصمة الانجليزية لندن. الهام هو القدرة على إظهار هذا التميز في مشهد صياغة شخصية المدينة والتسويق لها.

image

رابعا: صياغة شخصية للمدينة لها روافد تاريخية وطموحات مستقبلية.

الهدف هو أن يكون المخطط راصدا واعيا لمفردات شخصية المدينة التي يشارك في تخطيطها بحيث تكون عملية تأكيد شخصية المدينة وإعادة تجديدها وتركيبها في صورة جديدة هي عملية ديناميكية مستمرة تساندها المشروعات المعمارية والعمرانية وأنماط الحركة وتميز الاستعمالات وتوزيعها والارتكاز على المرجعية الإنسانية والبيئية للتنمية بحيث تصبح المدينة مدينة للجميع ونموذجا لتنمية مستدامة تستدعي أهمية حقوق الأجيال القادمة وتطلعاتهم.

image

بلاد الخليج، المنطلقة إلى حقبات عمرانية ومعمارية جديدة، تتسابق في صياغة شخصية مدنها بالمتاحف العالمية والتنمية الايقونية والمدن المستدامة (بوستر من إعداد الكاتب).

ملاحظات ختامية

لكي تتمكن إي مدينة من خلق شخصيتها التسويقية يجب ان تبدأ بتقييم صادق لما تملك من مميزات وأيضا أوجه النقص والعوائق ثم محاولة تعظيم تلك المميزات وكما يقول جوماثان جاباي (2009) فان تسويق المدينة ليس فقط عبارة عن شعار مرسوم ولكنه في التفاصيل الدقيقة الصغيرة التي تجعل الشوارع نظيفة ,هي في التفاصيل العميقة التي تجعل قاطني المدينة سفراء لها وفخورين بانتمائهم اليها ، ومن ثم تنتقل الرسائل الايجابية إلى زوار المدينة الفعليين أو الرقميين عبر الوسائط المتعددة الجديدة. ان إنتاج انطباع ايجابي هو فعل جوهري للمدن التي ترغب في الإعلان عن نفسها كمقاصد مختارة للناس سواء للعيش أو العمل أو الترفيه أو الزيارة. ومن هنا تأتي الأوساط الإعلامية كمجال هام لتسويق المدينة وقد استخدمت معدلات ذكر المدينة في الإعلام بكل أنواعه كدلالة على قوة شخصية المدينة وترتيب أهميتها على سلم المدن الأوربية في الدراسة الشهيرة التي أعدتها شركة سافرون للاستشارات عام 2008 لتقييم 72 مدينة أوربية., تكوين شخصية المدينة هو عملية لها مخاطرها ويمكن ان يتسبب في فشل المدينة لان تسويق المدينة يجب أن يعتمد على حقائق وليس تصورات خيالية فيجب ان يشعر الناس بحقيقة الانطباعات والمقومات التي سوقت لهم ، وكذلك يجب إن تكون إستراتيجية المدينة التسويقية متعددة الأبعاد وديناميكية تستجيب لتطورات ثقافية واقتصادية وتنموية. فهل نحلم بان يكون السفر إلى المدن العربية ؛ الدوحة ، القاهرة ، الكويت ، دمشق ، عمان ، المنامه ، تونس ، بغداد ، بيروت ، وغيرهم ، هو حلم أجيال جديدة من المجتمع الإنساني العالمي ترى فيها قيم عالمية متفردة لها قيمتها التسويقية تجعل الناس تتدافع متشوقين الى استكشافها أو العمل بها أو اختيارها موطنا جديدا كما يتوقون ألان جميعا إلى عبق شوارع وميادين وعمارة باريس ولندن وفيينا وجنيف ونيويورك.

المراجع المختارة Selected References

Anholt, Simon . 2009. Places: Identity, Image and Reputation. Palgrave Macmillan.

Dinnie, Keith . 2011. City Branding: Theory and Cases. Palgrave Macmillan.

Florida, Richard. 2008. who’s Your City? Basic Books: New York.

Florida, Richard. 2002. The Rise of Creative Class. Basic Books: New York.

Frank. 2009. Place Branding: Glocal, Virtual and Physical Identities, Constructed, Imagined and Experienced. Palgrave Macmillan.

Kotler, Philip. 1993. Marketing Places. Free Press.

Moilanen, Teemu and Rainisto, Seppo. 2009. How to Brand Nations,Cities and Destinations: A Planning Book for Place Branding.

Ali Alraouf: Critical reflections on walls

لن اكون حجرا اخر في الجدار

لم استشعر الخطورة الحقيقية للجدار بمعناه الرمزي والمعنوي الا وانا استمع في مراهقتي، الى اغنية الفريق الموسيقي الانجليزي بينك فلويد Pink Floyd الشهيرة حجرا اخر في الجدارمن الالبوم الاكثر شهرة في نهاية السبعينيات حيث صدر عام 1979 بعنوان الجدار”. كانت اغنية مفضلة لي لأنها ترصد لحظة التمرد على تحويل طلاب المدارس الى مجرد بلوكات حجرية تضاف الى الجدار العملاق الذي تتبناه المؤسسة التعليمية الرافضة للتمايز والحرية والابداع. قمة البلاغة المتمردة على افكار القولبة والنمذجة وحصار العقول في كلمات الاغنية: “لا نحتاج تعليمالا نحتاج سيطرة فكريةلا نريد سخرية سوداء في الفصولايها المدرس اترك الاطفالففي النهاية انت مجرد حجرا اخر في الجدارلن اكون حجرا اخر في الجدار” . معاني ثورية تحمل رفض القولبة والرغبة في التفرد وحرية التفسير وعدالة الاختلاف.

من هذا المنطلق كان تأملي الدائم للجدار المادي والمعنوي، ثم اصبح الجدار محورا رئيسيا في فكري عندما ارتبطت بالعمارة والتصميم مهنيا واكاديميا. فالجدار او الحائط هو احد اهم مفردات المعماري والعمراني في تشكيله للصياغات الفراغية المختلفة التي يشغلها الانسان او الجماعة الانسانية حيث يمارسون خلالها انشطتهم المختلفة. الجدار في العمارة يحتضن داخله فراغ مكاني انساني، وطبيعة تشكيل الجدار ومواد بنائه تساهم في الادراك الانساني والشعور الحسي بهذا الفراغ. فهناك جدران صلبة معتمة حارسة فاصلة كالجدران الحجرية والاسمنتية، وهناك الجدران الزجاجية الشفافة التي تسمح بالتواصل البصري الى داخل المبنى واستكشاف تجربته المعمارية والفراغية والجمالية.

عمل جرافيتي يحذر من قولبة ونمذجة العقول الشبابية وخاصة من خلال المؤسسات العسكرية.

جدران لها تاريخ

القصة التاريخية للجدار شديدة الثراء، ففي العمارة الفرعونية كان الجدار سواء خارجيا مثل جدران المعابد الجنائزية او داخليا مثل جدران مقابر وادي الملوك والملكات في صعيد مصر، جدارا معرفيا وسجلا تاريخيا ثريا لوقائع واحتفالات وغزوات وطقوس ورقصات وصلوات. كان الجدار هو كتاب الحضارة المفتوح الذي تركه الفراعنة للعالم من بعدهم. هذا النسق الثقافي والموروث الاجتماعي، الذي يعود إلى زمن الفراعنة، استمر مع الفتح العربي الإسلامي لمصر، ونظرا لحجم المشقة التي كان يلاقيها الحجاج في انتقالهم إلى مكة في رحلة تستغرق شهورا كان المصريون يخلدون تلك الرحلة على جدران منازلهم لتذكرهم ومن حولهم بقدسية وروحانية الفريضة. استمر فن التعبير الشعبي المصري عن الرحلة المقدسة حتى الوقت المعاصر في بلاد النوبة وريف وصعيد مصر، حيث مازال الجدار الخارجي للمنزل يقدم شاهدا على الحالة النفسية والروحانية بل والاجتماعية وتتجدد معالجة هذا الجدار مع ديناميكية النسق الاجتماعي. فمع عودة الحجاج تنتشر رسوم الكعبةبيت الله الحرام، وحولها الطائرات والبواخر وعبارات الشكر والأمنيات والدعوات حج مبرور وذنب موفوريتبارى مصريون خلال موسم الحج في الإعلان عن أدائهم لتلك الفريضة من خلال تزيين واجهات منازلهم برسوم وعبارات تتعلق بمناسك الحج وزياراتهم للأراضي المقدسة. جدران البيوت تتحول الي جداريات تتسم بالحيوية وتؤسس لظاهرة يتسم بها الريف المصري، ويرى البعض أن تلك الظاهرة نوع من التفاخر والتعبير عن الحب المتوارث من المصريين للحج كفريضة ليس كل إنسان قادرا على أدائها. ويتولى رسم هذه المناظر الجميلة فنانون شعبيون بطريقة فطرية وتلقائية. ثم تتغير شخصية الجدار الخارجي للبيت الشعبي في صعيد مصر استعدادا لاستقبال شهر رمضان المعظم، ويسترم التجدد مع مناسبات اخرى كالمولود الجديد او الزواج حتى يمكن تشبيه الحائط بالشاشة التي تتغير مشاهدها بصورة موسمية.

الجدار الاحتفالي على المنزل النوبي تيمنا برحلة الحج المقدسة والعودة السالمة بالحج المبرور والذنب المغفور.

الجدران المعمارية والعمرانية احيانا تكون باردة قاسية تمزق الشعوب وتدمي القلوب خاصة عندما تتحول الى اسوار. واشهر هذا التصنيف جدار برلين الذي بني عام 1961 وبقى رمزا للقهر والظلام حتى ثورة 1989 التي بدأت في مدينة ليبزج الالمانية وامتدت لكل مدن المانيا وانتهت بسقوط جدار برلين، وعجز الشرطة الالمانية الشرقية عن ايقاف سيل المواطنين المندفعين الى الشطر الغربي لمدينة برلين تنفسا للحرية واقترابا من اقارب واصدقاء فرقتهم الاحجار العالية والاسلاك الشائكة التي مزقت اجساد بعض ممن تجرء بمحاولة العبور. الدراما مماثلة ولكنها اكثر قسوة ووحشية ولا انسانية في حالة جدار الضفة الغربية بالأراضي المحتلة حيث يمزق الجدار الخرساني الرمادي البارد شعب كامل ويمنعه من الوصول الى المدرسة والطبيب والجامعة، واحيانا رغيف الخبز. المدهش ان فكرة الحصار بالجدران مازالت رائجة ولم يتعلم حراس السجون الكبرى، التي تخلقها الجدران، من تجربة برلين. فماتزال اسرائيل تحاصر نفسها اكثر من حصارها للأخرين بمشروعها لبناء جدار على الحدود اللبنانية ومشروعها الاخر مع مبارك المخلوع لعزل الشعب الفلسطيني من جهة شبه جزيرة سيناء بجدران من الفولاذ. اما جدار السفارة الاسرائيلية في القاهرة الذي بنته الحكومة المصرية بعد ثورة 25 يناير، فحياته كانت قصيرة لم تستمر سوي ايام معدودة استخدم في بداياتها كمجال للجرافيتي الرافض الثائر ثم انتهت حياته بانتفاضة من الثوار هدموا فيها الجدار الخرساني بأيديهم العارية.

جدار او سور برلين اثناء انشائه عام 1961 ليمزق الشعب الالماني ويخلق حالة مقاومة ينهيها ثورة 1989 التي اعادت صياغة اوروبا والعالم.

جدران الثورة

الجدار المعماري الخارجي طالما استخدم في اوقات الثورات الشعبية والانتفاضات والاحتجاجات للتعبير عن نبض الشعوب ونشر رسائل علنية حرة لا تخضع لرقابة وسائل الاعلام العادية. في حالة الثورة المصرية تحولت الجدران وخاصة جدران المباني المحيطة بميدان التحرير الى اداة لنشر الوعي السياسي والاجتماعي والثوري تمهيدا لحقبة جديدة في تاريخ مصر المعاصرة. لتخرج لنا في النهاية ما انتجته الثورة من قوالب تصويرية شديد الخصوصية. جعلتنا أمام صورة درامية حية تُجسد لنا حالة فريدة لفنانين فطريين وطنيين مولعين بانغام وروائح واصوات الحرية التي صدحت عاليا في الميدان.

عمارة اللاجدار: ديمقراطية العمارة

الشفافية والاختراق البصري قيمة من القيم التشكيلية والرمزية التي تحققها الجدران المعمارية. تأمل عبقرية المعماري الشهير الامريكي الصيني الاصل اي ام بيي في خلق الهرم الشفاف البديع امام الواجهات التاريخية العريقة لمتحف اللوفر ليضمن استمرارية بصرية وشفافية مطلقة بين المتحف القديم والجناح الجديد دون خلل في الاتساق المعماري والعمراني للتكوين الاصلي. كما يقدم الجدار الشفاف في المسجد والمركز الاسلامي بمدينة بينزبيرج بمقاطعة بافاريا الالمانية مثال متميز على مفهوم القيمة الرمزية لشفافية البصرية. حيث ينفتح المسجد على المجتمع المحيط ويسمح بتواصل بصري يرى فيه المتحرك بجوار المبنى رقي العبادات الاسلامية وتحضر المسلمين. يستوقفنا ايضا مبنى البرلمان الالماني الذي افتتح عام 1999 للمعماري العالمي نورمان فوستر الذي صمم قبة زجاجية عملاقة محاطة بمنحدرات يصعد اليها عامة الشعب وعندما يصلوا الى القمة ينظرن الى القاعة الرئيسية بمن فيها من رؤساء ونواب طارحا رسالة رمزية بليغة مفادها ان السلطة بيد الشعب وهو الاقوى والاعلى والمراقب، قمة الديموقراطية عندما تسقط الجدران.

شفافية جدار مسجد خلقت تواصلا بصريا غير مسبوقا في عمارة المساجد بين الفراغات الداخلية وحياة الشارع الخارجية لتجعل المسجد كيانا مرحبا ومستقبلا.

شفافية جدران العمل المعماري لتحقيق الاتساق مع المحيط العمراني، حالة متحف اللوفر في باريس.

المعماري والجدار الذاتي

اخطر ما يواجه المبدع هو ان يخلق جدرانه الذاتية التي تحكم افكاره، وتحصر ابداعاته. هذه الظاهرة التي اسميها بناء الجدران الذاتية: جدران العقل والروح، والتي انتشرت بين المعماريين والعمرانيين العرب فانقسموا الى تصنيفين متمايزين. الاول يبني حول عقله جدارا يحاصر داخله افكارا تراثية قديمة ويستبسل لمنع التدفقات والنبضات الابداعية الغربية من الاقتراب. الثاني استخدم الجدار العقلي لتحقيق العكس فحجب العمق التاريخي تماما واسقطه من منظومة انتاج المكان، وتوجه الى الانفتاح في الجدار ببوابات عملاقة على المشروع الغربي محتضنا باستسلام كل ما يطرح خلال هذا المشروع دون مواجهة نقدية او تفسيرية. والواقع ان كلا الجدارين او التوجهين متحيزين فاصلين عنصريين. فالمبدع يتمتع ويلهم بالرفض والتمرد وهدم كل الجدران. بل ان البعض يفسر عبقرية العملية الابداعية في القدرة على هدم الجدران لبناء فضاءات ارحب للتأمل والتفكر والمساهمة المبدعة

مبنى البرلمان الالماني للمعماري الشهير نورمان فوستر وشفافية الجدار تعبيرا عن الديموقراطية وقيمة الشعوب.

مدن الجدران والمجتمعات المغلقة

ظهر التوجه نحو نموذج تنمية المجتمعات المغلقة في الدول العربية وخاصة دول الخليج في نهايات الثمانينيات وبداية التسعينيات، وساعدت الطفرة الاقتصادية وظهور شرائح اجتماعية جديدة ذات متطلبات عمرانية وإسكانية مختلفة بالإضافة إلى زيادة عدد الوافدين من الأجانب بسبب التوجهات الاستثمارية الإقليمية إلى انتشار هذا النمط التنموي الذي انتشر أيضا بسبب دلالته الاجتماعية على انتماء قاطني هذه المجتمعات إلى فئة راقية ومتميزة. وفي إطار التصنيف العام للمجتمعات المغلقة يمكن لنا أن نرصد المجتمعات المغلقة الأفقية أو مدن الفيلات المغلقة وهو النمط الأكثر شيوعا في عالمنا العربي. المجتمعات أو المدن المغلقة والمسورة قديمة قدم المستقرات الإنسانية عندما بدأت المجتمعات في مواجهة أعداء طامعين في ثروات ومقومات مجتمع ما ، ومع ظهور مفهوم الدولة والأمن بصورة معاصرة أزيلت الأسوار أو تركت لقيمتها التاريخية وليس لقيمتها الأمنية. وفي العقود الأخيرة ظهرت مفاهيم المجتمعات المغلقة وأصبحت توجها جديدا في مفاهيم التصميم المعماري والعمراني .

المجتمعات المغلقة هو تعبير يصف مشروعات إسكانية تعتمد على خلق مجتمع سكاني مستقل، ومنفصل له شخصيته وهويته المتمايزة، وعلى المستوى التنظيري فلا يوجد إجماع على مفهوم المجتمعات المغلقة وعن صفاتها وملامحها التي تختلف من ثقافة إلى أخرى ومن بلد إلى أخر. والتعريف الأكثر دلالة واقترابا من وصف هذه المجتمعات هو أنها مناطق خاصة يحظر وينظم الدخول إليها بحيث يتواجد داخلها القاطنون المنتمون ويبقى خارجها المتطفلون اللامنتمون ”. والواقع أن المجتمعات المغلقة أو المجمعات السكنية الحدائقية Compounds كما تسمى في نطاق عالمنا العربي أصبحت اتجاه مؤثرا وفاعلا في سوق الإسكان والاستثمار العقاري في دول العالم بشقيه المتقدم والنامي ، كما أنها بالتبعية أثرت تأثيرا جوهريا في البيئة العمرانية بإبعادها المختلفة. المجتمعات المغلقة تثير العديد من التساؤلات الهامة كما أنها تولد نقاشا قويا ومستمرا في أدبيات العمران والإسكان حول تأثيرها المستقبلي على الحياة العمرانية في المدن التي تبنى خلالها وحولها.

التساؤل الهام هو ما الذي يجعل المجتمع أمنا؟ هل يعزل سكان المجتمعات المغلقة المجرمين والجريمة عنهم ام أنهم يعزلون ويعاقبون أنفسهم ؟ والطرح المعاصر يتناول ايجابيات وسلبيات الانفصال أو التكامل والتفاعل، فالبعض يرى أن الانفصال حتمي في المجتمعات السكنية لمنع الجريمة وتحقيق نوعية حياة متميزة ونتيجة لهذا التوجه ظهرت المجتمعات المغلقة حيث يدعي السكان أن الجدران العالية والأسوار أعطتهم الأمان ووفرت البيئة العمرانية المثالية اليوتوبية. وتبعا لأطروحات بحثية موثقة فان تلك الفرضية غير صحيحة على إطلاقها حيث تبين ان في خلال العشرين عاما الماضية انتقال عشرات الآلاف من الناس في امريكا للسكن فى المجتمعات المغلقة ومن خلال دراسات بحثية متعددة ومقابلات معمقة مع السكان تبين ان دوافع الأمان والخوف من التعددية العرقية كان على رأس قائمة الأسباب التي دفعت هؤلاء السكان لاتخاذ قرار سكن المجتمعات المغلقة ثم اكتشفوا تدريجيا أن أفكارهم او بالأحرى أحلامهم تحولت الى أوهام حيث توضح الدراسة ان تلك المجتمعات ليست أمنه مقارنة بغيرها من مناطق السكن كما أنها أحبطت السكان بكم القوانين والقواعد المحددة والملزمة في تلك المجتمعات وقللت من حريتهم وتفاعلهم الاجتماعي. المجتمعات المغلقة لها دلالة رمزية سلبية حيث تنمي ثقافة الخوف والعزلة وتمثل دعوة الى خصخصة الحياة العامة والفراغ العام وتحويل المجتمع بصورته العامة والكلية إلى مصدر للعداء. بالإضافة إلى انه في إطار ثورة تقنية ومعلوماتية وإمكانيات مذهلة للتعرض والتفاعل لم يصبح مقبولا او ملائما ان تطرح حلولا تدعو للانفصال خلف الأبواب والأسوار لدواعي أمنية.

هدم وتفكيك وبناء الجدار: ديناميكية الحياة والابداع والعمارة

التحدي الحقيقي هو تنبه المعماري والعمراني الى مهمته الاولى وهي صياغة حوارا بين الانسان والمكان او بالأحرى صياغة نطاقات حياتية ديناميكية مفعمة بالطاقة والتحولات. هذا الفهم يسقط الحصار الفكري والعقلي، ويهدم كل الجدران المعنوية والمادية احيانا ويتبنى مدخلا لاستمرارية تعريف واعادة تعريف الجدار او الغلاف المعماري. كما يعطي مشروعية كاملة لهدم جدران العقول واعادة تفكيك عقول الجدران.

بقلم: علي عبد الرءوف

Critical notes on Egyptian public buildings

 image

بقلم: د. علي عبد الرءوف

أستاذ العمارة والعمران

مآزق الهوية

بداية نعتقد أن التناول النقدي لموضوع الهوية الجماعية لأمة أو شعب ما لا يقلل من الوطنية بل هو حرص عليها ورغبة في إحياء الانتماء الحقيقي وليس المرتبط بأمجاد ماضي سحيق ليس من الفطنة أن نتغنى به ونسقط الحاضر والمستقبل من أنشودتنا. ومن ناحية أخرى ننبه ان الأمة العربية والإسلامية استهلكت جزء كبير من طاقاتها في طرح تساؤلات عن ماهية الهوية ولمن ننتمي ومن نحن وكيف نحدث حاضرنا دون أن نخسر أمجاد الماضي وحاصرتنا مصطلحات الأصالة والمعاصرة والثابت والمتحول والمحلي والعالمي والمرتبط والمنفصل حصارا خانقا اعتقد ان أهم تداعياته يتجلى في حالة الفقر الإبداعي العام . تبدو الإشكالية واضحة في معظم البلاد العربية فنحن مسلمون ولذا فالسائد ان الهوية الإسلامية هي النموذج الأكثر قبولا ومعقولية في مشروع البحث عن الذات في العالم العربي ومن الناحية المعمارية والعمرانية فلم نندهش حين أثرت تلك المرجعية تأثيرا كاسحا على التوجهات المعمارية والعمرانية في الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وتطور الأمر بصورة أكثر درامية في العقد الأخير وخاصة مع أطروحات العولمة وتفسيراتها في السياق العربي والإسلامي والرضا بتصور العولمة بكل أبعادها كوحش يتربص بثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا

التاريخ والمعمار

تتعقد الإشكالية حين نتحول إلى بلد ذو حضارة متراكمة ومركبة ومتعددة الإبعاد والأعماق مثل مصر وعاصمتها العريقة القاهرة التي تشكل تبعا لأراء أهم مؤرخين العمران مع اسطنبول وروما أكثر المدن تعقيدا في طبقاتها التاريخية. وليس هناك ضرر في الرغبة في المحافظة على عنصر التاريخ ولكن كل الضرر في سطحية المحافظة وتجاهل عامل الزمن وضرورة الاستمرارية ، وكما يطرح المفكر د.مأمون فندي فان العمارة او المعمار وسيط ينحاز عبر العصور للزمان مرة وللمكان مرة ولكن في كلا الحالتين هو أسلوب لفهمنا لأنفسنا وللعالم من حولنا

image

القاهرة وروما واسطنبول:عبقرية التعقيد التاريخي للمدينة

استهلاك الرمز والتقاليد

يمثل الطرح الفرعوني ملجأ أمنا في زمن تعاني فيه الدول العربية والإسلامية ومصر بينهم من هزائم متتالية فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية. فالحقبة الفرعونية تذكر بل وتخدر المصريين خدرا لطيفا يدخلهم في عوالم المجد والانتصار والسيطرة على العالم التي مضى عليها سبعة ألاف عام ولكن ما الضرر في الاستدعاء المستمر لهذا الماضي السعيد وخاصة ان ظروف الحاضر لا تقترح قرب عودته في المستقبل المنظور!!. دعنا نتأمل كيف استهلكت الفنون ورموز الحضارة الفرعونية في مشاركتنا المصرية في المهرجانات والمعارض العالمية والمنتديات الدولية فجناحنا في بورصة برلين للسياحة فرعوني التصميم وكذلك في القرية العالمية بدينة دبي وحتى في معرض السجاد العالمي في هانوفر. حاول ان تتصفح أي موقع الكتروني رسمي مصري للوزارات او المؤسسات ولا تندهش من زهرة اللوتس وأوراق البردي التي تزين المواقع . لماذا لا نستمع إلى المفكر ادوارد سعيد قائلا الحضارة الفرعونية مثل موسيقى بيتهوفن أصبحت ملك العالم كله. أنا بالقطع لا أدعو إلى التنصل منها ولكني أحث الجميع على تجاوزها تجاوزا بناء يحفظ قيمتها ولا يحولها إلى مسخ تجاري وفي الوقت ذاته فان التجاوز قد يحفزنا إلى تقديم مساهمة معاصرة في العالم المتعولم الذي نعيش خلاله اليوم

عمارة المبنى العام في مصر: العقد الأخير

الفاحص المدقق للتغيرات الحادثة في العمارة المصرية في العقد الأخير يلحظ عودة غير مفسرة إلى خيار الهوية الفرعونية كمرجعية تشكيلية وبصرية لبعض أهم المشروعات المعمارية والعمرانية وخاصة المباني العامة والمؤسسية والحكومية. وهو ما يثير جدلا حتميا ، فمرجعية المبنى الخاص مزاجية شخصية آما مرجعية المبني العام وخاصة الرسمي فهي تعبير عن توجه دولة او مؤسسة او سياسة عامة

والراصد لتحولات العمارة المصرية المعاصرة منذ بداياتها في أوائل القرن الماضي حين تولي مسئولية تدريس وممارسة العمارة الجيل الأول من المعماريين الوطنيين حتى العقد الأخير يتضح له تقلب المرجعية التشكيلية في النتاج المعماري من الحداثة إلى الإسلامية إلى مابعد الحداثة كان منطقيا وارتبط بمتغيرات محلية او إقليمية او بتوجهات فردية شخصية نابعة من تأثر المعماريين بتعليمهم وإعدادهم الغربي. ولكننا أيضا نرصد مباني مثل ضريح الزعيم الوطني سعد زغلول بطرازه الفرعوني ومحطة القطار الرئيسية بمدينة الجيزة وغيرهم تعكس رغبة قومية في استخدام المبني العام كمجال لتأكيد الهوية المصرية والوطنية التي لا تقبل المنافسة وهي الهوية الفرعونية ، وخاصة في إطار زمني كانت مصر تحاول خلاله وخاصة على المستوى السياسي تأكيد زعامتها العربية والإقليمية.
imageimage

المشهد الحالي للعودة للعمارة الفرعونية بدأ مع واحدة من اهم المسابقات المعمارية المحلية التي كان موضوعها الوصول إلى أفضل تصميم للمقر الجديد للمحكمة الدستورية العليا في موقع متميز بإطلالة رائعة على نهر النيل جنوب القاهرة

القضية الهامة لهذا المشروع والمتعلقة بموضوع هذا المقال ان المتسابق الفائز قام بتغيير جذري للطرح التصميمي الأصلي الذي اختارته لجنة التحكيم ليتحول من تركيبة معمارية تفكيكية إلى توليفة فرعونية مسرحية وسبب هذا التحول كان رغبة معلنة من رئيس المحكمة في هذا الحين (وهو رجل قانون) في ان يكون للمحكمة طراز كلاسيكي مثل المحاكم الانجليزية وحيث ان طراز الأخيرة هو غالبا كلاسيكي أوربي فمن المنطقي ان يكون طراز المصرية كلاسيكي فرعوني !! وبديهيا ان يطيع المعماري خشية ان يخسر فرصة لا تتكرر لربط اسمه بمشروع هام ومؤثر معماريا وعمرانيا في تشكيل مدينة هامة كالقاهرة. وبصرف النظر عن خلفيات المشروع وتدخل الغير مختص وتنازل المعماري عن فكره التصميمي إلا أن المشروع بعد بنائه وظهوره كتركيبة بصرية خارجة عن المعتاد والمكرر والممل ولد موجة جديدة من الحنين الى العمارة الفرعونية والرضا عنها كأكثر الإجابات منطقية وملائمة للتساؤلات عما يعبر عن الهوية المصرية.