Cairobserver

Posts tagged عربي

Street vendors and the right to the city

image

الباعة الجائلون والحق في المدينة

دينا لطفي

"احنا بنراعي ربنا.. وانتو تراعو البلد..تراعو البلد.. ترجع مصرفوق.. مينفعش نعمل احسن مشروع في العالم في قناة السويسوتبقي العاصمة بالمنظر ده.. واحنا شيلناكو في عنينا.. لكن لو حد طلع بره الخط.. مينفعش.." رئيس الوزراء، م/ ابراهيم محلب

"أجهزةالدولة لم تتوان في إيجاد بدائل وحلولحضاريةلمشكلة الباعة الجائلين بما يحافظ على مصلحة المواطن والبائع والمجتمع ككل، مشددًا على أنه بمجرد توفير البديل للبائع الجائل والذي سيتكلف الملايين لن نتهاون في التعامل معه بكل حسم، وتفعيل القانون ضد البؤر العشوائية لتجمعات الباعة الجائلين، حيث إن من حق المواطن المصري عودة الانضباط المعهود، وأن مصلحة جموعوجماهير الشعبتجب مصلحة أي طائفةوفئة محدودة أو فردية، مؤكدًا على أنه بمجرد إتمام عملية النقل والتسكين ستتم رفع كفاءة منطقة وسط المدينة و إعادتها إلى رونقها و تحقيق السيولة المرورية المنشودة بها، بحيث تكون واجهة حضارية للعاصمة."

محافظ القاهرة، د/ جلال السعيد:

"الباعة الجائلون صداع في رأس الوطن… الباعة الجائلون يحتلّون الميادين والأرصفة… حرب تحرير وسط البلد… الباعة الجائلون يتحرشون بالفتيات..  تطهير الميدان من الباعة الجائلين…"

"وسط البلد رجعت أنضف مما كنت عايش فيها مع أبويا في الستينات.. دي وسط البلد؟ دي دولة .. دي دولة قررت هفرضسلطتي.. عندي وزارة وفي قانون.. والناس دي تمشي من هنا.. الناس دي مش مكانها.. ليها مكان اخر.. والكلفة ال الدولة عاملاها 1000 عسكري.. الرقم من وزارة الداخلية.. علشان محدش يرجع فرشته تاني.. عندما أردت أن تقيمدولة ويبقي فيه قانون عملت كدة .. انت تصدق ان ده رصيف وسط البلد؟ محدش هيرجع هنا تاني.. محدش هيفرش هنا تاني.. دي دولة… قبل كدة كانت خرابة… الناس ال راحوا الترجمان عندهم مشاكل انما دي مشاكل متتحلش علي حساب الدولة.. المحلات مكانتش بتشوف الزباين.. محدش يعتبها.. ومحدش يفرش هنا.. ألف عسكري.. ليل ونهار.. انت رجعت وسط البلد زي الشانزليزيه.."  عمرو أديب، برنامج القاهرة اليوم

تلخّص هذه التصريحات الي حد كبير الموقف الرسمي والمجتمعي تجاه نشاط الباعة الجائلين، الا أننا من خلال المقال نقدم نقد لهذه الرؤية والحلول العمرانية والأمنية التي تتبعها، ونسعي لطرح رؤية مغايرة من أجل التوّصل لأشكال مختلفة من الحلول تراعي بالدرجة الأولي احتياجات مواطني المدينة وأصحاب الحق فيها، بدون انحياز ولا تهميش لأي فئة علي حساب الأخري.

image

مصدر الصورة: من دعاية شركة موبينيل الأخيرة، والتي تدعو المجتمع الي قبول الآخر، ويظهر فيها عدد من الباعة في منطقة وسط البلد


متجول/ثابت

القانون رقم 33 لسنة 1957 فى شأن الباعة المتجولين، نُشر بالوقائع المصرية، فى 4 فبراير 1957؛ (يُعد بائعا متجولاً :  ا- كل من يبيع سلعًا أو بضائع أويعرضها للبيع أو يمارس حرفة أو صناعة فى أى طريق أو مكان عام دون أن يكون له محل ثابت …. ). فعملية “البيع بالتجول” حرفة قديمة في المجتمع المصري وليست ظاهرة حديثة كما يُروّج، ومنذ أربعينيات القرن الماضي صدرت عدة قوانين من أجل تنظيم مزاولة النشاط؛ بداية من القانون رقم 73 لسنة 1943، وقد تضمنت القوانين كيفية اصدار التراخيص للباعة، والرسوم المفروضة، وموانع ممارسة العمل، وضوابطه، وتكليف الدولة بحصر الأعداد، وتخصيص الأماكن المناسبة، والتأكد من استيفاء شروط ومواصفات السلع، وفرض عقوبات علي المخالفين، وقد كان آخر تعديل للقانون هو قرار رئيس الجمهورية رقم 105 لسنة 2012بتغليظ عقوبات المخالفين بزيادة الغرامة المالية ومدة الحبس وإضافة حق السلطة في مصادرة البضائع.

منطقياً؛ مفهوم “البيع بالتجوّل” يتعارض مع رغبة المجتمع والمسئولين في الزام البائع بمكان ثابت في مُجمّعات خارج الكتلة العمرانية أو داخل مبني متعدد الطوابق مثل جراج الترجمان أو المبني المزمع انشاؤه في أرض وابور الثلج بشارع الجلاء اي “خارج مسارات حركة المشاة اليومية” والتي تمثل النسبة الأكبر من مبيعات الباعة؛ وقد تواجد الباعة علي الأرصفة في مصر منذ مئات السنوات، كما أن التشريعات المصرية والدولية تتيح لهم التواجد في الطرق والأماكن العامة، في اطار ضوابط تحددها الدولة وتطبقها أجهزة الحكم المحلي، ويتم ذلك في اطار منظومة متكاملة تضع في الاعتبار جميع الأطراف؛ “أصحاب الحق في المدينة”.

image

ميناء القاهرة البري، جراج الترجمان متعدد الطوابق، تصوير: دينا لطفي

مع غياب دور الدولة المتمثل في أجهزة الحكم المحلي وارتفاع معدّلات الفساد بها بشكل خاص خلال الثلاث عقود الماضية، اضافة الي زيادة معدلات البطالة، ثم قيام ثورة يناير وما أعقبها من اعادة اكتشاف الميادين والفراغات العامة، فقد ارتفعت أعداد الباعة المتجوّلين في شوارع المدينة، ونتيجة للكثافة البنائية المرتفعة والكثافات المرورية، وتجمّعات سيارات الأجرة الناتجة عن قصور شبكات المواصلات العامة في تغطية أنحاء المدينة، وتقلص المسطحات المفتوحة والفراغات العامة، فقد اصطدمت تجمعات الباعة بعدة أطراف، ما أّدّي الي تفاقم الأزمة.

اطراف المصلحة

تتعارض مصالح “أصحاب الحق في المدينة” في مشهد مزدحم؛ ما بين مشاه لديهم الحق في استخدام الرصيف بشكل آمن، وسائقي سيارات يتعرضون لتكدسات مرورية يومية، وسكان وأصحاب أعمال بحاجة لأماكن انتظار سيارات، وأصحاب محال تجارية في الطابق الأرضي يتحملون رواتب عاملين ورسوم مرافق وضرائب للدولة، و”باعة متجولين” يفترشون الأرصفة، وحكومة ترغب في “اظهار” هيبة الدولة، والحفاظ علي “المظهر الحضاري للمدينة”؛ علي حد تعبير المسئولين،.

بداية لابد من طرح تساؤل عن “تعريف” مصطلح “المظهر الحضاري للمدينة” بالنسبة للسلطة؟ فهل يشيرون بـ”المظهر الحضاري للمدينة” علي سبيل المثال الي مستوي التنمية الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية وارتفاع جودة المعيشة؟

تحتل سويسرا المركز الأول في تقرير “التنافسية العالمية” الذي يصدر سنوياً عن “المنتدي الاقتصادي العالمي”؛ والذي يقوم بتقييم قدرة الدول علي الاستفادة من مصادرها المتاحة لتوفير مستوي مرتفع من الرخاء لمواطنيها؛ عن طريق تقييم المؤسسات والسياسات التي تؤدي الي تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. كما تحتل المركز الأول في تقرير”التنافسية العالمية للسياحة والسفر” الذي يصدر أيضاً عن المنتدي الاقتصادي العالمي، والذي يقيّم عوامل الأمن والأمان، الصحة، النظافة العامة، منظومة المواصلات، والموارد الطبيعية والثقافية. تحتل سويسرا أيضاً المركز الأول في تقرير “معيار جودة المعيشة” الذي يصدر عن “ايكونومست” ويقوم بتقييم الناتج المحلي، الحريات، متوسط العمر، معدلات البطالة، فساد الحكومة، المساواة. وتحتل المركز الثالث في “تقرير السعادة العالمي” الصادر عن “شبكة حلول التنمية المستدامة” التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، والذي يقوم بقياس مدي رفاهية المعيشة المتاحة للمواطنين من خلال عوامل اقتصادية واجتماعية. ومع ذلك لم يجد المسئولون ولا المواطنون في سويسرا تعارض بين ذلك وبين وجود باعة متجولين علي الرصيف كما في الصورة التالية.

imageتصوير: ميشيل حنا

كما لا يبدو ان مصطلح “المظهر الحضاري” يشير الي “الحفاظ علي التراث” حيث كثرت في السنوات الأخيرة الاستغاثات من اجل انقاذ ما تبقي من المباني التراثية في القاهرة والمحافظات، فقد تم اصدار تشريعات بازالة عدد كبير من المباني التراثية والمباني ذات الطابع المميز من قوائم التراث تمهيدا لهدمها وانشاء “برج سكني” بدلا منها، في اطار رسمي وقانوني.

imageبمدينة جنيف، سويسرا، مصدر الصورة

عن معاناة المشاه: خارج نطاق انتشار الباعة المتجولين، تُعد تجربة السير بشكل عام في شوارع العاصمة تجربة مرهقة، سواء من حيث مواصفات الأرصفة؛ ان وُجِدت؛ وعرقلة استمرارية السير اما بسبب عدم استمرارية الأرصفة، أو بسبب صغر عرض الرصيف مع وجود عناصر مثبتة في منتصفه كأعمدة الانارة أو لوحات الدعاية أو صناديق القمامة، أو بسبب استخدام الرصيف في انتظار السيارات، أو قيام بعض أصحاب المباني والمحال التجارية باستقطاع جزء الرصيف الأمامي واعتباره مدخل خاص، أو بسبب اختلاف المناسيب ما بين قطعة وأخري، أو بسبب تسوير الأرصفة الوسطي في أماكن عبور الطريق، أو تسوير الأرصفة في بعض المناطق لمنع عبور الطريق من الأساس، أو لعدم وجود اشارات مرور أو كباري وأنفاق للمشاه بشكل كافي تسمح بعبور الشارع بشكل آمن.

عن أزمة المرور: الباعة المتجولون بالأساس يبحثون عن الزحام ومسارات المشاة؛ الا أن تواجدهم بأعداد كبيرة يؤدي الي اتساع الفراغ المستخدم في العرض والذي يمتد أحيانا ليشمل حارات من الطريق، ما يؤثر سلباً علي السيولة المرورية خاصة في ساعات الذروة، الا أن تحميل مسئولية الأزمة المرورية في أنحاء العاصمة علي عاتقهم أمراَ غير منطقياً، حيث أن سبب الأزمة يرجع أساسا الي الزيادة الكبيرة في أعداد السيارات مقابل تقلّص وسائل النقل العام، مع انعدام تنافسية وسائل النقل العام لجذب مستخدمي السيارات. ازاحة الباعة الجائلين ربما يؤدي الي سيولة مرورية أفضل في نطاق بعض الشوارع الا أنها لن تحل أزمة المرور في العاصمة.

عن أصحاب المحال: نص قانون تنظيم الباعة المتجولين بتشريعاته منذ 1943 علي أنه لا يجوز للبائع المتجول الوقوف بجوار محال تتاجر فى أصناف مماثلة لما يتجر فيه، وان توفّرت الارادة السياسة كان يمكن ايجاد حلول عن طريق تحديد مسافات الحد الأدني لوقوف الباعة بكل منطقة بعد دراسة مواصفات الشوارع وأنشطة المحال القائمة بها وأعداد الباعة المتواجدين فيه.

عن جودة السلع وحقوق المستهلك: يرجع انتشار السلع الرديئة في الأسواق الشعبية ولدي الباعة الجائلين الي قصور في دور الهيئة العامة للرقابة علي الصادرات والواردات من أجل الحد من إنتشار السلع غير المطابقة للمواصفات، وحماية السوق من المنتجات مجهولة المصدر، ومواجهة الممارسات الضارة التي يقوم بها بعض الموردين الصينيين والمستوردين المصريين والتي من شأنها إلحاق الضرر بالمستهلك.

وعن سيادة القانون: علي ضفاف نهر النيل تم انشاء نادي للقضاة بما يخالف قوانين حماية النيل والمسطحات المائية، ومنذ 2012 تحرر محاضر مخالفات ضد المنشأ من قبل حي الدقي، وفي ابريل 2013 صدر قرار ايقاف للعمل، وفي فبراير 2014 تم تحرير محضر من قبل الهيئة العامة للنظافة والتجميل بمحافظة الجيزة بسبب قيام المنفذين بقطع أشجار كافور معمّرة يبلغ عمرها نحو 100عام، الا أن مبني النادي لا يزال قائماً، بل وجاري الانتهاء من أعمال التشطيبات النهائية، ولم تداهم السلطات المبني منذ بداية أعمال الانشاء وحتي تاريخه.

للمزيد عن الموضوع اضغط هنا

جدير بالذكر أن الغرض من بيان تلك المبررات ليس من أجل اغفال أو التقليل من السلبيات الناتجة عن تجمّعات الباعة الجائلين بوضعهم الحالي، ولكن من أجل توضيح حجم الأزمة دون مبالغات ولا تحميل الباعة أكثر مما ينبغي، ولا القاء كافة الأزمات العمرانية التي تواجه المدينة علي عاتقهم، كما أنها محاولة لاظهار “عدم منطقية” الترويج لفكرة أن وجودهم علي الأرصفة يعتبر مظهر “غير حضاري” وأن “ازاحتهم” ستؤدي بالضرورة الي “تحسّن أحوال” المرور والمشاة والمحال وستحقق “سيادة القانون”.

توجُّهات

في الرابع من أغسطس 2014 خلال المؤتمر الذي عقد بجراج الترجمان للاعلان عن الخطة المستقبلية في شأن الباعة الجائلين، صرّح محافظ القاهرة بأن الدولة تمتلك رؤية واضحة لحل “مشكلة الباعة الجائلين” من جذورها، ولم يتضح عما اذا كان المقصود من التصريح “حل المشكلة التي تواجه نشاط الباعة باعتبارهم جزء من المدينة”، أم أن الدولة تعتبر “الباعة أنفسهم مشكلة تواجه المدينة”.

عام 2007 أثناء مشروع تطوير شارع المعز؛ التابع لمشروع تطوير القاهرة الفاطمية بعد انضمامها لقائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي ، قررت الدولة ازالة سوق الليمون والزيتون والبصل الذي اشتهرت به منطقة جامع الحاكم لسنوات عديدة، وقامت بنقل الباعة الي سوق العبور، حيث اعتبرت الدولة حينئذ أن هذا النشاط غير ملائم لطبيعة المكان السياحية. القرار جعل أمام الباعة خيارين، اما تغيير النشاط والبقاء، أو الاستمرار في النشاط والانتقال الي الموقع البديل.

وعلينا أن نتسائل عما اذا كان “لابد” فعلا من نقل سوق الليمون بشارع المعز والذي يعتبر جزء من تاريخه ونسيجه العمراني؟ وهل يدرك المسئولون أن الأسواق الشعبية بشكل عام، تُعدّ عُنصر من عناصر الجذب السياحي؟

في يونيو 2010 وقع حريق ضخم في سوق الجمعة بمنطقة السيدة عائشة أسفل كوبري التونسي نتيجة سقوط سيارة مشتعلة من أعلي الكوبري في منتصف الليل، حيث استمر الحريق 7 ساعات، ما أدي الي وقوع خسائر فادحة في قطاع كبير من السوق، وكان رد فعل الحكومة آنذاك؛ بخلاف التحقيقات ومعاينة سلامة الكوبري؛ هو الاعلان عن نقل سوق الجمعة من موقعه الحالي الي موقع بديل في مدينة 15 مايو بتكلفة 100 مليون جنيه.

هل يدرك المسئولون أهمية الخدمة التي يوفرها سوق الجمعة لشريحة كبيرة من المواطنين؟ هل يدرك المسئولون أن قرار نقل سوق الجمعة سيؤدي الي زيادة الأسعار وتدهور حركة البيع لبعد المسافة؟ وهل هناك جدوي من انفاق 100 مليون جنيه لانشاء سوق جديد خارج الكتلة العمرانية؟

يذكر الموقع الرسمي لوزارة النقل بأن تكلفة التطوير الشامل لمحطتي القاهرة و سيدي جابر حوالي 450 مليون جنيه، وتتضارب التصريحات حول التكلفة الفعلية لتطوير محطة القاهرة. في مايو 2011 صرّح المتحدث الرسمي باسم الهيئة القومية لسكك حديد مصر آنذاك بأن “الساحة الخارجية للمحطة تضيف لمسة جمالية وحضارية جديدة للميدان ولن يتم السماح للباعة الجائلين بالدخول لساحة الميدان لكي يظهر الميدان فى أجمل صورة بعد التطوير بهدف الحفاظ على المستوى الحضاري”. وفي أعقاب حملات الازالة الأخيرة في أغسطس 2014 قامت الأجهزة المعنية باخلاء الشارع المجاور للمحطة من سيارات الميكروباص والباعة المتجولين، مع الحرص علي عدم السماح لهم بـ”احتلاله” مرة أخري؛ علي حد تعبير المحافظ. هلي يخفي علي المسئولين حاجة المواطن مستخدم المحطة والمسافر والوافد الي وسيلة مواصلات تقوم بتوزيعه من/الي المحطة؟ وهل يدرك المسئولون أن خطوط مترو الأنفاق لم تستكمل وأنه لا يوجد شبكة نقل عام تغطي كافة أنحاء المدينة؟ هل يري المسئولون منطقية ظهور موقف “غير رسمي” لسيارات الميكروباص لتوفير هذه الخدمة الضرورية؟ هل يعلم المسئولون أن هناك فترات انتظار وحركة مشاة مستمرة ما أدي الي ظهور باعة متجولين لعرض خدماتهم؟ ولماذا لم “يشمل” مشروع التطوير “الشامل” الذي تعدي 200 مليون جنيه حسب التقديرات هذه الاحتياجات الأساسية والمنطقية ؟ وما سبب “تسوير” حدود الملكية؟

image

محطة السكة الحديد، موقف سيارات الميكروباص والباعة الجائلين، رمسيس، القاهرة، تصويردينا لطفي

توجُّهات أخري

تولّي دول العالم المتطور اهتماما خاصا بالأسواق الشعبية والباعة المتجولين من خلال منظومة الحكم المحلي حيث تعتبر “البلديات” هي المسئول الرئيسي عن ادارة نشاط الأسواق والباعة، بدايةً من الحصر واصدار التراخيص، وضمان الجودة، وتنظيم الأسواق الدورية، والتنسيق مع الجهات المعنية الأخري؛ المرافق، المرور، النظافة، الخ.

يختلف شكل تنظيم الأسواق ما بين تجمعات يومية للباعة أو أسواق أسبوعية أو موسمية أو في نهاية الأسبوع، كما تختلف المواقع المستخدمة بحسب طبيعة المكان؛ ما بين استغلال الأرصفة، أو استغلال المناطق المظللة أسفل الكباري أو أسفل الترام العلوي، أو في الساحات العامة، بالاضافة الي اغلاق شوارع أمام حركة السيارات في أيام محددة ومعلنة لاستضافة المشاه والباعة؛ وبعد الانتهاء تقوم البلدية بتنظيف الشارع واعادة المرور لينتقل السوق الي مكان اخر.. تقوم البلدية بالتيسير علي الباعة عن طريق اختيار المواقع والتوقيتات المناسبة لتشجيع الوصول اليهم، وتوفير عربات العرض، وتوصيل المرافق وتوفير أماكن انتظار لسيارات نقل البضائع بجوار باكيات البيع، الخ … وفي المقابل تقوم بالمراقبة المستمرة لضمان التزام الباعة بالمواصفات والاشتراطات والضوابط.

image

image

باريس، فرنسا- تصوير: دينا الخواجة

*الموقع الأصلي للسوق تحت المترو العلوي وأثناء عمل بعض الانشاءات في الموقع الأصلي تم تنظيم السوق علي الرصيف في شارع مجاور.

image

ميلانو؛ ايطاليا، تصوير اندريا جيرو

image
ميلانو؛ ايطاليا،  تصوير مارياجراتسيا مانكادو

image

image

شارع استقلال، وساحة جامع السلطان احمد، اسطنبول، تركيا، تصوير: أشرف منصور

ديناميكية الانتشار والتنظيم الذاتي

فيديو من اعداد فريق عمل مختبر عمران القاهرة للتصميم والدراسات يوضح تنظيم الباعة لانفسهم علي مدار اليوم .. www.clustercairo.org

يقوم الباعة الجائلون بأنفسهم بالدور الذي كان علي الدولة القيام به تجاههم، فإنهم وبشكل مبسّط يقومون بدراسة واختيار الأنشطة والمواقع ومواقيت العمل التي تلائم النشاط وتسهم في تنشيط حركة البيع من أجل تعظيم الدخل بقدر الامكان. وبخلاف الأسواق الرسمية التي تقع خارج العاصمة بعيدا عن الكتلة العمرانية مثل سوق العبور، فقد قام الباعة منذ عشرات السنوات بتنظيم أنفسهم إما في أسواق أسبوعية مثل سوق الجمعة، أو في تجمعات شبه يومية ترتبط بشكل أساسي مع حركة المشاه؛ اما في الشوارع التجارية أو عند محطات وسائل النقل العام المختلفة، أو مناطق خروج الموظفين خاصة الهيئات الحكومية، كما يظهر أيضا نشاط الباعة في المدن الجديدة حيث مواقع الانشاءات والعمالة.

image

موقع انشاءات، القاهرة الجديدة، تصوير: دينا لطفي

في الامكان

تقوم الدولة حالياً بفرض بدائل علي الباعة تضر بمصالحهم دون تقدير لتوابع هذا الأمر عليهم وعلي أسرهم؛ ما يمثل ضرر لقطاع كبير من المواطنين، ثم لا تتردد في اتخاذ قرارات ضدهم من أجل اظهار صورة “زائفة” عن تحقق الانضباط وسيادة القانون. الا أنه اذا تم الاتفاق أولاً علي أن المشكلة الأساسية ليست في عملية “البيع بالتجول” ولا في تواجد “الباعة” أنفسهم في المدينة ولا في “المظهر الجمالي والحضاري”؛ بقدر ما هي في “الأزمة” التي يسببها “مشهد الالتقاء المزدحم” بين تجمعات الباعة والأطراف الأخري؛ فحينئذ ستختلف الرؤيا وبالتالي تختلف اتجاهات الحلول والبدائل المقترحة.

image

مقترح من مختبر عمران القاهرة للتصميم والدراسات

وبناء علي ذلك؛ لا تتطلب جميع حالات الأسواق غير الرسمية وتجمعات الباعة الحالية الي الازالة واعادة التسكين في أسواق بديلة خارج الكتلة العمرانية، بل إن بعض المواقع لديها امكانات يمكن أن تسهم في تحسين الوضع القائم، واستيعاب الأطراف أصحاب الحق عن طريق تداخلات مبتكرة. الا أن تحقيق ذلك يتطلب أولاً ارادة سياسية من أجل ايجاد أرضية مشتركة بين جميع الأطراف وبدون تهميش لأي طرف ولا انحياز لطرف علي حساب اخر، مع دراسة جادة لمبادرات المُهتمين بمشكلات العمران، والبحث عن حلول ذكية تقوم باستيعاب جميع مستخدمي المدينة.

image

  سوق في باريس تحت محطة مترو علوية

أسئلة مشروعة


هل يمكن أن تنتهي حالة انفصال “السياسات” الرسمية عن “واقع” الشارع؟
هل يدرك المجتمع والمسئولون حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر؟
هل يمكن في ظل التغيّر العمراني المستمر اعتبار قانون تنظيمي أمر مسلّم به لا يمكن اعادة النظر فيه أو تعديله؟
هل ستستمر عملية اتخاذ القرارات المؤثرة في حياة المواطنين اليومية بشكل فوقي؟
هل يدرك المسئولون أن الفئات الكادحة ليست عبء علي المجتمع وانما جزء منه؟
هل قام المسئولين بدراسة نشاط البيع بالتجوّل واحتياجاته؟
هل يكفي الانطباع المُسبق بعدم رغبة الباعة الخضوع للنظام؛ لتبرير انحياز الدولة للحلول الأمنية؟
هل يبحث المسئولون عن أرضية مشتركة للحوار بين أطراف المصلحة، دون انحياز لأي طرف ؟
هل ستنتهي محاولات “القضاء” علي “ظاهرة” الباعة الجائلين؟
هل يمكن أن يقوم الصندوق الاجتماعي للتنمية بدعم منظومة الباعة الجائلين كسوق محلية لمنتجات المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر من أجل تحقيق تنمية مستدامة؟
هل يدرك القائمون علي المحليات أن المسئولية الموكلة اليهم ليست مشروعات تُسجّل في السير الذاتية، وإنما مهام دورية شبه يومية؟
بمقارنة المشكلات العمرانية في المدينة المصرية بتجارب دولية أخري؛ هل تحقيق تنمية عمرانية يبدأ بالاصلاح الجذري لمنظومة الحكم المحلي؟
imageبائع متجول في ساحة الجامع الأزرق، اسطنبول، تركيا، ويظهر علي ملابسه شعار بلدية الفاتح. تصوير: أشرف منصور

image

بائع متجول في ساحة ميدان تقسيم، اسطنبول، تركيا، ويظهر علي عربة العرض شعار بلدية بيوغلو. تصوير: أشرف منصور

شكر خاص

د. دينا الخواجة، م. أشرف منصور، Andrea Giro، Mariagracia Moncada، هبة نجيب، معتز فيصل فريد، تيمور التلمساني، شريف مغربي

Roller-coasting the city

image

المدينة "تتشألطبعيداُ عن النقد البطولي

أدهم سليم , يوليو 2014

يمكننا فهم مأزق الممارسة النقدية (1) في مجال العمارة و العمران إذا ما أدركنا انحسار المساحة المتاحة من الخطاب المعماري المعاصر و التي يمكن أن تتناولها تلك الممارسة بالنقد . فمن ناحية تفرض المادية المفرطة للعمارة ارتباطاً وثيقاً بحزم معقدة من الهياكل المهنية و الأكاديمية التي تنتج العمارة نفسها , تلك الهياكل التي تحتاج هي نفسها للتثوير و النقد , كمناهج البحث و التدريس , و برامج الكمبيوتر المستخدمة في إنتاج الرسومات المعمارية , و الممارسات المهنية المتعلقة بصناعة التشييد . هناك دائماً هياكل مهنية موروثة و مستقرة و من الضروري استمرارها على حالها حفاظاً على “الاستقرار” لأنه في مكان ما على هذ الكوكب هناك دائماً مبنىً ضخم لم يزل قيد الإنشاء و من غير الممكن تغيير “النظام” أثناء إنشائه , ما يجعل نقد المدينة كحكاية مستساغاً أكثر من نقدها كمادة .

و من ناحية أخرى هناك انعتاق لم يحدث أبداً للممارسة المعمارية ككل من فلك الانتاج الرأسمالي , ذلك الفلك الذي يحصر دور الممارسة النقدية في خلق “الجميل” كمرادف “لـ”الجديد” , بشكل يجعل النقد مرتبطاً بالضرورة بممارسات موازية ذات علاقة بالتسليع و الـتنميق (2) , و يحدد دور الممارسة النقدية كآلية يتيمة للمراكمة العدمية للتجديد الذي سرعان ما يفقد جدّته, و هو ما يدفع الممارسة النقدية بدورها نحو الغرائبية و العبثية في بعض الأحيان كرد فعل أخير على كثافة الطلب الرأسمالي على الأشكال المعمارية الجديدة.

و من ناحية ثالثة أزعم كذلك أن الممارسة المعمارية المعاصرة هي ربما أكثر وعياً من سابقاتها بتاريخيتّها (3) , أي أنها أكثر وعياً بأنها حلقة ضمن حلقات تاريخية . كتب نظريات التصميم حافلة بمفردات اصطلاحية تم الاتفاق عليها حديثاً مثل “منهج” (4) , “مدرسة” (5) , “نمط” (6) و غيرها تعكس بشكل واضح أن هناك وعياً مستجداً بوجود منهج “قديم” في مواجهة منهج “جديد” , و مدرسة “جديدة” في مقابل مدارس سبقتها , و هكذا . أحد ملامح هذا الوعي هو انحسار مساحة ممارسة النقد إلى مواجهات ثنائية بين تيار محافظ و تيار تقدمي.

النقاط الثلاث السابقة تدفع المعماري و الأكاديمي الألماني ماركوس ميسن للحديث عن أهمية ما يسميه  “الممارسة النقدية المتعامدة” (7), في إشارة لأصحاب المقاعد الواقعة بين مقاعد الحكومة و مقاعد المعارضة في مجلس اللوردات البريطاني (8). التموضع الفراغي لهذه المقاعد (8) في قلب صالة المجلس بين مقاعد الحكومة و المعارضة و بشكل متعامد عليها يشي بالدور الذي يلعبه هؤلاء . لا يشكل الـ “متعامدين” فصيلاً ثالثاً متسقاً يعارض كلاً من الحكومة و المعارضة , و إنما يمثلون مجتمعين مساحة محتملة لرؤى نقدية بديلة متعددة و متجاوزة للظروف السياسية و الاقتصادية التي أنتجت رؤى الفريقين . الممارسة النقدية المتعامدة ترى نفسها دوماً متحررة من تقاليد المحازبة و من التزاماتها , فهي ترتكز في الأساس على درجة من المبادرة الذاتية , و تعلي من قيمة التغريد المنفرد . النقد المتعامد هو ممارسة متخطية لتقاليد الإجماع و الأغلبية (9) , ليس هناك ما يمكن أن نسميه مدارس أو مناهج أو أنماط أو اتجاهات غالبة على حراك المتعامدين , بل توجد مبادرات فردية تختلف في مدى جديّتها .

أكثر من ذلك , يلفت ميسن انتباهنا في كتابه “كابوس العمل التشاركي” (10) إلى الضرورة الملحّة في بعض الأحيان لأن تكون الممارسة النقدية أيضاً غير مهنية , غير متخصصة , بل و ربما هزلية أيضاً في طرحها . تخيّل كم المفارقات المبدعة التي يمكن أن تحدث عندما تستمع لوجهة نظر ثلاثة عشر من غير المتخصصين حول مجال تخصصك!

هذا بالتحديد ما حدث بالفعل منذ عدة أسابيع خلال عرض نتاج الحلقة الأولى من ورشة عمل “المدينة تتشألط” , و هي ورشة عمل من تنسيق أحمد زعزع , كريم نمس, محمد معتصم, آجنس ميهالتشيك , و محمد حسن , يستضيفها مركز “مجاورة” في حي الخليفة , و تهدف لإنتاج سلسة من الإنطباعات عن معني المدينة , كجزء من عملية العصف الذهني لمشروع قصة مصورة تحمل نفس العنوان .

بشكل أولي يعكس عنوان الورشة درجة من التصالح مع اللعبيّة (11) , و يخبر عن جهد تنسيقي (12) لا يرى خطورة في اعتناق “الشألطة” كوسيلة للنقد . و يظهر ذلك مرة أخرى في شكل الحدث الذي يتحدث فيه غير المتخصص بينما يجلس فيه المتخصص في مقعد المستمع , و هو ربما انعكاس لتقليد معماري قديم , إذ عادة ما يلجأ المعماري لتبرير نفسه للمجتمع بوساطة الفيلسوف . في “المدينة تتشألط” تتشألط الأدوار , يجلس المعماري في مقعد المستمع و يحاول أن يلعب دور الفيلسوف بالعكس , و كأنما يرى نفسه للمرة الأولى في المرآة .

ذلك النوع من النقد الرومانسي , غير المحترف , و غير المكترث ينطوي على درجة من الشاعرية و السذاجة الإيجابية التي يجب أن يتسم بها أي عمل نقدي فعّال . و هي شاعرية لا نعجز عن أن نجدها في أعمال المشاركين في الحلقة الأولى و طروحات المشاركين في الحلقة الثانية على السواء .

على سبيل المثال يعرض المعماري كريم نمس (و هو أحد المنسقين) رؤيته للمدينة كخلفية (13) للعمران , يتساوى فيها المقدس و الخالد مع المدنس و الفاني حين يتحول مسطح القاهرة ككل - بما فيها الآثار و الأهرامات - إلى عشوائية محتملة . يحاول كريم نمس أن يقف على نوع العلاقات العمرانية التي يمكن أن تنشأ عن هذا النوع من الفهم حين يدرس بشكل بدائي نوع الفراغات و الاستخدامات التي يمكن أن تنشأ من نمو عمراني يتخذ من هضبة الهرم , على سبيل المثال , بيئة لنموه . كيف يمكن لسكان الهرم أن يستخدموا أحجاره كمسطحات لسوق أسبوعية متدرجة؟ كيف يمكنهم أن يمارسوا شعائر الصلاة الإسبوعية التي تتطلب منهم الاصطفاف في مواجهة مكة من فوق الهرم؟

في المقابل يتحدث المؤرخ و الباحث شهاب فخري عن المدينة كنوستالجيا , و يعرض رؤيته للمدينة كصراع بين سردية “رسمية” في مواجهة سرديات أخرى عديدة غير رسمية . تماماً كمخبر التحقيقات يجوب شهاب المدينة بحثاً عن الأدلة المادية التي يمكن أن يبني منها سردية متماسكة يمكنه أن يشعر تجاهها بالحنين , يفحص المدينة كمادة , يصنع ثقوباً في تربة شوراعها ليخبرنا أن هذا الشارع كان بحيرة فيما سبق . بعده تحاول الصحفية سلمى شكرالله أن تفهم المدينة كسلسلة من المانشيتات الصحفية , تتحدث سلمى عن الخريطة الصحفية للمدينة , أسماء الأماكن : ميدان التحرير , ميدان مصطفى محمود , شارع محمد محمود , ساحة رابعة العدوية , إلخ تنفصل عن كونها مجرد مؤشرات سلبية على الأماكن , إنما يصبح لها دلالتها في سردية كبيرة مرتبكة لمدينة تموج بالعنف و بالفوضى السياسية . أتساءل هنا : إلى أي مدى يمكن أن يكون هناك فعل سلطوي واع يهدف لتعطيل سردية المدينة التي تحاول سلمى أن تصيغها بلغة صحفية متوازنة؟ هذا التعطيل الذي يتجسد أمامنا يومياً في صورة حواجز خرسانية و معدنية تعيق تكوين النوستالجيا التي يبحث عنها شهاب . على الجانب الآخر من التساؤل تتحدث الباحثة السياسية آيه نصّار عن انطباعاتها عن فيلم “حياة أو موت” الذي يحتفي بالمدينة كمشروع حداثي يهدف للوصول لكفاءة الاتصال . تتحدث آيه و يملأ الشاشة خلفها عدد من كادرات الفيلم تظهر تمجيداً بصرياً لوسائل الاتصال الحديثة و كفاءة البنية التحتية للمدينة , تلك البنية التحتية التي يمكنها أن تنقذ حياة مواطن قبل أن يتجرع “الدواء الذي فيه سم قاتل” . و تتحدث آيه عن إنه على العكس مما قد نتصور , فإن تلك الاتصالية المفرطة للمدينة قد تعكس قدراً هائلاً من السيطرة السلطوية على مقدرات ساكنيها الذين يمكن أن تصل إليهم السلطة أينما كانوا .

هذه الطروحات أبعد ما يكون عن النقد البطولي للمدينة الشائع في الأدبيات المعمارية الأوروبية , التي عادة ما تلجأ لتصوير المدينة كمشروع طوباوي . “المدينة تتشألط” ليس عرضاً طوباوياً ينتصر للمدينة أو ينتصر عليها , كما أنه ليس نقداً مباشراً للممارسة المعمارية المعاصرة بهدف الوصول لـ”الجديد” , و إنما تكمن بطولته في ممارسته للمدينة راديكالياً من منظور المتكلمين دون إدعاء بطولة , المدينة تتشألط يهدف بالأحرى لـ”شألطة” فهمنا للمدينة دون كثير من البريق .

المصطلحات

1. critical practice

2. stylization

3. historicity

4. discipline

5. school

6. style

7. cross-bench praxis

8. cross-benchers

9. post-consensus practice

10. The Nightmare of Participation

11. playfulness

12. curatorial statement

13. neutral substrate

The streets belong to us

image


 على محمد


يوميات
الشارع مقفول، مفيش دخول من هنا
ماشى من هنا ليه؟ رايح فين؟
ممنوع الوقفة هنا بعد السور لو عايز تقف
محدش يقعد على النجيله اللى فى الشارع هنا، التعليمات كده
افتحولنا محطة السادات بقى كفايه عطلة
مش هتعرف تدخل من هنا قافلين عشان القسم


دى عبارات ممكن تسمعها فى الشارع لو كان حظك سعيد و لقيت حد يكلم معاك و غالبا مش هيقدملك تفسير لأن دى تعليمات، فى الأغلب مش هتلاقى حد لكن هتلاقى حاجات زى اللى فى الصورة اللى فوق يعنى جدار خرسانى، أسلاك شائكة، حواجز حديد، سواتر رمليه…………..إلخ


الحق فى المدينة هى فكرة و شعار قدمهما هنرى ليفيفر عام 1968 فى كتابه الحق فى المدينة و لخص فكرته فى أنها طلب لتغيير و تجديد المدخل للحياة الحضرية فى المدينة
a “demand…[for] a transformed and renewed access to urban life”
وصف دافيد هارفى فكرة الحق فى المدينة على أنه أبعد من الحرية الفردية للوصول للموارد الحضرية بأنه الحق فى تغيير أنفسنا بتغيير المدينة ، الحرية لصناعة و اعادة صناعة أنفسنا و مدننا كأحد أهم و أغلى و مؤخرا أحد أكثر حقوق الإنسان المهملة

شوارع المدينة و فراغتها العامة هى المساحة التى تتفاعل و تتلاقى فيها كل طبقات المجتمع.ما نشاهده يوميا فى شوارع و طرقات المدينة هو انعكاس للسياسات المختلفة للدولة التى من المفترض أن تصب فى صالح المواطن و تعمل على تيسير شئون حياته اليوميه من تنقلات و غيره. المدينة بمختلف أركانها من فراغات عامة و شوارع و ميادين ….. إلخ هى ملك للشعب، ملك للمواطن الذى يفترض أن يقوم بإختيار مجموعة من المسئوليين لإدارة الشئون المختلفة للمدينة بدئا من ممثلى المحليات انتهائا الى رأس النظام على أن تكون الخطوط العريضة للسياسة العامة للدولة انعكاسا لرغبات المواطن و طموحاته. المواطن المالك الوحيد و الحقيقى لهذا الوطن و ليس العكس. من حق هذا المواطن أن يشارك فى صنع القرار و أن يكون له تمثيل مباشر فى المحليات و المجالس الشعبية و أن يعرف على أى أساس يتم اتخاذ قرارات مصيرية تنعكس على حياته اليومية و من المسئول عن تقرير مصير هذه الفراغات و الممتلكات العامة و هذه الشوارع، كم من ميزانية الدولة يتم صرفه فى أعمال الصيانة، هل هذه هى الطريقه المثلى أم لا؟  من المسئول عن فتح أو اغلاق طريق أو ما شابه؟ من الممثل الفعلى للمواطن فى المحليات الذى يمكن أن يعكس متطلباته؟ هل المدينة حقا ملك لقاطنيها أم فى بلادنا هى ملك جهات أخرى؟

    
استقطاع أجزاء من المدينة


الحديقة الدولية، مدينة نصر، القاهرة

image

نموذج لضم الشارع لأحد المبانى العسكرية التى تخدم المدنيين، تم اقامة سور و بوابة و تحول الشارع من ملكية عامة للدولة يتم استخدامه من قبل المواطنين يوميا إلى جزء من المبنى و ملكية خاصة


محيط قصر الاتحاديه، الكوربه، القاهرة

image

image

فى البداية تم ضم جانب واحد من امتداد شارع ابراهيم اللقانى فى اتجاه الكوربه و إنشاء بوابة حديد و أصبح أحد اتجاهات الشارع جزء من قصر الاتحاديه
image

image

بعد ذلك بفترة قصيرة تم غلق الشارع ببلوكات خرسانة أمام السور و البوابة السابق إضافتها و أصبح الشارع مغلق فى الإتجاهين، الشارع  يعتبر المنفذ الأخير لتجنب زحام شارع بغداد و الكوربه والوصول إلى صلاح سالم و يخدم نسبه كبيرة من سكان مصر الجديدة


شارع القصر العينى، القاهرة

image

image

 
بعد غلق شارع محورى مثل القصر العينى و الشوارع المحيطة لفترة أكثر من عامين تم استبدال الحاجز الخرسانى ببوابات معدنية أشبه بالمعابر الحدودية  ذلك بالإضافة لاستمرار الحوائط الخرسانية فى محيط مجلس الوزراء و عدة أماكن فى الجانب الأخر من الشارع بجاردن سيتى. البوابة و من قبلها الحائط الخرسانى تتسبب فى تكدس المرور يوميا بالشارع و تحويل حركة المرور يسارا و دورانها حول البوابه حتى تصل إلى الميدان

سيدى جابر، الأسكندريه

image

تم غلق شارع المشير و هو أحد الشوارع الرئيسية بالمدينة يخدم كثافة مرورية عالية من طريق الحريه حتى طريق الكورنيش و تم تحويل مسار السيارات من بعد طريق الترام ليلتقى مع كثافة مرورية قادمة من شارع بورسعيد و تحويلهم جميعا لأحد الشوارع الضيقه المؤدية للكورنيش بإعتباره المخرج الوحيد المتبقى للعبور إلى الجانب الأخر

 ميدان وابور المياه، الأسكندريه

image

فى البدايه تم غلق أحد الإتجاهات و الان تم غلق الشارع بالكامل لمجرد وجود قسم شرطة فى أول الشارع، الشارع فى الصباح يخدم كثافة مرورية و طلبة مدارس و مشاه بإعتباره المدخل شبه الوحيد للحى من طريق الحريه و البديل يخلق أكثر من عنق زجاجة فى الشوارع المحيطة


ترام مدينة نصر و مصر الجديدة، القاهرة

image

image


طريق الترام بدلا من إمداده بعربات جديدة و تشجيع المواطنين على استخدامها لتخفيف الزحام و استغلاله كوسيلة مواصلات بإعتبار القضبان و الشبكات هى الجزء الأصعب و الأكثر كلفة و العربات هى الجزء الأرخص و الأسهل يتم تغطيتها بالرمال تمهيدا لتحويلها لرصيف أو استغلالها كجزء من الطريق، بعد ذلك تم خلع القضبان بالفعل و خلع البنية التحتية بالكامل و تركها على جانب الطريق

هذه التحولات هى ملاحظات سريعة ليوميات مواطن يتجول فى المدينة ذهابا و إيابا، بعض الظواهر و التحولات التى تم رصدها على سبيل المثال و ليس الحصر


 ممنوع


 بدأت ظاهره المنع أو الغلق منذ اندلاع الثورة خاصة فى الأماكن التى شهدت أحداث عنف مثل محمد محمود و مجلس الوزراء و أحداث الاتحاديه و غيرها. ظهرت فكرة الحائط الخرسانى المكون من بلوكات أسمنتية تحول دون الوصول إلى مبنى معين أو تغلق شارع معين بأكمله و تعوق معها حركة المرور و المشاه. الغريب أن وجود بعض هذه البلوكات لم يعد له سبب و لكنه متروك فقط لعدم الاهتمام برفعه و ليس أكثر مثل بعض الشوارع أمام نادى هليوبليس. مؤخرا أصبح الغلق بالحواجز المعدنية و أكياس الرمال خصوصا حول جميع أقسام الشرطة التى أصبحت كابوسا يعرقل حركه المرور فى أى شارع يمر بها، يتم تحويل حركة المرور حولها و فى حالة وجود مبنى أكثر أهمية يمكن غلق محيط المبنى بأكمله بما فى ذلك الشوارع المؤديه المنازل المحيطة. الغلق ليس فقط للشوارع و لكن أيضا لمحطات مترو الأنفاق. يمكن تخيل العناء الذى يتكبده مستخدمى المترو يوميا نتيجة غلق محطة محورية مثل محطة السادات و حجم الضغط على محطة رمسيس كحل وحيد للتحويل بين خطى المترو

الرصيف ليس للمشاه


 الأسلاك الشائكه هى السمه المميزه للأرصفه فى مصر مع الحواجز الخرسانيه المنحنيه المرتفعه و لعل شارع الثوره و الميرغنى و مناطق كثيره بمصر الجديده و مدينة نصر مثال صارخ على ذلك فى الفتره الأخيره. غير متاح استخدام الأرصفه للمشاه بهذه المناطق بل قد يمتد التعدى لأجزاء من الشارع لتجد نفسك مضطرا للمشى بجانب السيارات و أنت ترى الرصيف و لكن لا تستطيع استخدامه. فى بعض الأحيان يتم استخدام هذه الحواجز لخلق سور أمام السور على حساب الرصيف ثم وضع حاجز معدنى أمام السور الجديد على حساب حاره من الطريق.  و هو أحد الأشياء الغير مفهومه فإذا كان السور الأصلى لحماية مبنى معين فلم بناء سور أمام السور على حساب مستخدمى الطريق من مشاه و مركبات

الشارع جزء من المبنى


يمكن أن تستيقظ صباحا لتجد أحد الشوارع و قد اختفى تماما و أصبح جزء من مبنى قائم. يتم وضع بوابة حديدية مع سور مبانى أو سور معدنى و يصبح الشارع جزء لا يتجزأ من المبنى و فى هذه الحالة ليس فقط سور على السور و لكن بوابة على البوابة و مشاه و مرور يبحثون لأنفسهم عن بديل للوصول لمقصدهم. عندما يتم وضع بوابة أو ضم جزء من المدينة فهذا يمثل تعدى على حقوق المواطن فى مدينته و فى أى مكان يطبق فيه أدنى درجات القانون يجب محاسبة و معرفة من المسئول و إلا أصبح استباحة الطرق العامه أمرا عاديا و لكل حجته. فإذا كانت الدولة تفعل ذلك إقرارا للأمن فأولى لنا أن نستوعب أن يتعدى بائع على الطريق من أجل قوت يومه، ينبغى للدولة أن تكون مثالا فى تطبيق القانون و الحفاظ على حق المواطن فى الشارع و حق المشاه فى الرصيف و ليس العكس


محاولات تطويع المدينة باستقطاع أجزاء منها لظروف أمنية هو استمرار لسياسات فرض السيطرة من الدوله عن طريق تقييد الفراغ العام و سلب حق المواطن فى المدينة سواء بوضع حواجز أو أسوار أو غلق شوارع و محوها من ذاكرة المدينة و مع الوقت و بالتبعية يتم محوها من ذاكرة المواطن فيعتاد على ذلك. ما حدث فى يناير 2010 أن الشعب استعاد مدينته فى التحرير، مدينة لا يوجد بها حدود و لا عزل طبقى، مدينة لا يوجد بها أسوار على الكوبرى ولا على الدائرى لحجب المناطق الفقيرة عن أعين المارة و لا بها مجتمعات مسورة لحماية الطبقات الغنية من تطفل الاخرين، مدينة لا يوجد بها بوابات حديدية على الميادين أشبه بالمعابر الحدودية. اليوم الدولة تعيد السيطرة من خلال إعادة هذا التقييد و وضع حواجز تزيد من تفتيت المدينة و المجتمع و تحجيم حركة الناس و حصارهم فى إطار ضيق. المشكلة تكمن فى عدم وجود اليات تمكن المواطن من تقرير مصير هذه الفراغات و كأن هناك حرب خفية بين الدولة و المواطن تقوم الدولة فيها  بفرض سيطرتها من خلال قرارات فوقية لا يتم إشراك المواطن فى أى مرحلة من مراحل اتخاذها و على الجانب الاخر لا يخضع متخذ القرار لأى الية من اليات المحاسبة فى حال تعارض هذه القرارات مع مصالح المواطن اليومية. يتم إتخاذ هذه القرارات فى الغرف المغلقة كما يسمونها و يفاجأ بها المواطن صباح كل يوم. هذا و حتى تعود المدينه لأهلها و حتى تكون القرارات على الأرض ترجمه لرغبات المواطن و ليس السلطه سيظل السؤال الشارع لمين؟ ….الشارع لنا


"The city may be dead;" Lefebvre seems to say, but "long live the city!"

Who pays more for the “public good”

 [حشد سكان الزمالك للمطالبة في حقهم في حي بدون تعديات وفي حقهم في الادلاء برآيهم في مشاريع قد تآثر على حيهم بصورة سلبية. مصدر الصورة]

دينا لطفي

منذ بداية القرن الماضي وحتي اللحظة، ومن أجل “الهدف الأسمي” و “الصورة الحضارية” و”المصلحة الوطنية”؛ أُغرقت قري بأكملها، وهُجّرت آلاف العائلات، وأزيلت آلاف المساكن، وتم اخلاء آلاف المواطنين بشكل قسري، ولم يتم تعويضهم بالشكل العادل. جدير بالذكر أن هذا ليس محل تقييم لتلك المشروعات، ولا بحث عمّا اذا كان هناك بدائل لتنفيذها بخسائر أقلّ، فكلٍ من المشروعات كان له مؤيديه ومعارضيه، وكلٌ له أسبابه، وإنما هذا تساؤل آخر؛ عن نظرة الدولة للمواطن. فهل حقاً جميع المواطنين بالنسبة للدولة سواء كما تنص الدساتير؟


أنشأ سكان حي الزمالك في أواخر ٢٠١١ مجلس إدارة جديد لجمعية الزمالك، ورغم تعدد أنشطتهم على المستوى المحلي، إلا أن قضية مترو الأنفاق كانت الأبرز. لعل توحُّد سكان حي الزمالك وقيامهم بالحشد وراء مطلب يعتبروه حقاً من حقوقهم هو أمر ايجابي لا شك، فانّ ما يسعي اليه المجتمع المدني والمهتمين بمجال العمران بشكل عام هو تعريف المواطنين بحقوقهم، وحثّهم علي المطالبة بها، وصياغة تطلعاتهم المتعلقة بمناطق سكنهم من أجل مشاركة فعّالة في صناعة القرار المحلي


وقد كان اعتراض سكان الزمالك الأساسي لأسباب فنية جديرة بالفعل بالدراسة، فهناك مخاوف حيال سلامة المباني السكنية القديمة والتي ربما تتأثر سلباً بسبب أعمال الحفر، حيث أن منها مباني كانت قد تأثرت انشائياً جراء زلزال 1992، كما أن ضيق شوارع الحي يمكن أن يتسبب في تكدس مروري شديد حال انشاء محطة، وهذه المخاوف تستدعي القلق والمطالبة باجراء دراسات متعددة التخصصات لضمان سلامة السكان، أو محاولات لطرح بدائل، أو ربما تستدعي بالفعل الاصرار علي فكرة التراجع عن المشروع برُمّته. أما اعتراض البعض علي أن هذه المحطة ستؤدي الي سهولة وصول الطبقات الأكثر فقرا لمنطقة الزمالك، فربما تغيب عنهم حقيقة “المدينة” والتي تكمن في فكرة الالتقاء ومشاركة المكان، وربما يغيب عنهم أيضاً حقيقة أن أغلبية سكان المدينة من الطبقة الفقيرة، وبالتالي فإن الالتقاء ومشاركة فراغ ما، أو وسيلة ما، هو أمر حتمي لا يمكن منعه


في يناير 2014 صرّح رئيس الهيئة القومية للأنفاق بالتوّصُّل الي “حلّ وسط” مع سكان حي الزمالك من خلال الابقاء علي مرور المترو أسفل الزمالك، وإلغاء افتتاح المحطة وترك أمرها للأجيال القادمة التي ربما تغيّر رأيها وتطالب بافتتاحها. وبعيداً عن تقييم هذا الحل، فإن اشراك السكان في مرحلة صناعة القرار؛ بدايةً من دعوتهم في مطلع 2012 بساقية الصاوي من قِبل هيئة المترو لعرض المشروع، ثم استجابة السلطة لرغبتهم في نهاية الأمر؛ هو أمر ايجابي علي آية حال

[سكان حي المنيب يعانون لسنوات طويلة من عدم توفير الدولة اي نوع من الخدمات او باقل حق لهم في المدينة. هل تعامل الدولة سكان المنيب وسكان الزمالك على سواء؟]


ولكن .. ما هو موقف السلطة تجاه تكاتف وحشد سكان المناطق الأكثر فقراً سعياً لتحقيق مطالبهم وطموحاتهم المتعلقة بشكل حياتهم. هل سيتم دعوتهم لعرض اي من المشروعات المتعلقة بمناطق سكنهم قبل اتخاذ اي اجراء؟ هل ستُعقد جلسات نقاش مجتمعي متعددة؟ هل سيُسمع لهم اذا ما اعترضوا علي المشروع؟ هل ستُجري محاولات جادة للتوصُّل لحلول تُرضي المواطنين؟ هل سيكون رد فعل السلطة تجاههم هو نفسه؟ أم سيختلف قليلا؟

في مطلع القرن العشرين أنشئ خزان أسوان من أجل التوسع في زراعة القطن لخدمة مصانع النسيج أثناء الاحتلال البريطاني لمصر. ارتفع منسوب المياه خلف السد حوالي 100متر ما أدّي الي غرق عشر قري نوبية دون سابق انذار، الا أن النوبيين اختاروا البقاء وأعادوا بناء منازلهم علي المرتفعات القريبة من القري الغارقة، فجاءت التعلية الأولي للخزان عام 1912 لتغرق ثماني قري جديدة، ثم التعلية الثانية عام 1933 والتي أغرقت عشر قري أخري. أدي خزان أسوان الي اغراق النوبة القديمة بمساكنها وآثارها وتاريخها، ومعاناة وتشريد آلاف الأسر، وقد قدمت الحكومة آنذاك تعويضات “لمنكوبي الخزان” كما وصفتهم، الا أنها كانت تعويضات هزيلة لا تضاهي المأساة التي تعرّضوا لها. تشتتت الأسر النوبية وهاجر العديد الي الشمال بحثاً عن الرزق بعد ما حل عليهم من فقر وجوع، الا أن حلم العودة ظل مع كل مغترب


أثناء الحقبة الناصرية بدأ التفكير في انشاء سد جديد يُستخدم في توليد الكهرباء لزيادة الانتاج، وتخزين المياه بسعة أكبر من خزان أسوان الذي لم يعُد يلبي تطّلُعات المرحلة الجديدة. بعد وضع أساس السد العالي عام 1960 ألقي جمال عبد الناصر خطبته الشهيرة أمام أهالي النوبة لطمأنتهم علي مصيرهم بعد اغراق السد لقراهم ومساكنهم مرة أخري، ووعدهم بعملية “تهجير” منظّمة، وتنمية زراعية وصناعية كبري ورخاء، وجمع شمل أهل النوبة في القري الجديدة بعد الشتات الذي عانوا منه سنوات طويلة. تم تهجير أهل النوبة في أكتوبر 1963 الي مدينة كوم امبو “الصحراوية” بعد أن كانت حياتهم علي ضفاف نهر النيل، وفوجئوا بأن المساكن الجديدة لم تكن مُعدّة لاستقبالهم، كما أنها لم تكن ملائمة لظروف معيشتهم من حيث المسطحات ومواد البناء المستخدمة، وهناك روايات متعددة تحكي عن معاناة الأهالي في مرحلة التهجير التي استغرقت حوالي مائتي وأربعين يوماً. اليوم وبعد مرور 51 عاما علي الهجرة لا يزال حال أهل النوبة كما هو، فلم يروا تنمية ولا رخاء ولا مقابل لتضحيتهم الكبري، بل أنهم لم يجدوا الا تجاهلا وتهميشاً، وما زالوا يحلمون بالعودة علي ضفاف نهر النيل. قدمّت الحكومات المتعاقبة منذ السبعينات وعوداً للنوبيين بالعودة الي مناطقهم القديمة علي ضفاف بحيرة ناصر، ومازالوا حتي هذه اللحظة يطالبون بحقّهم في العودة

[الارضيات البلاط هي كل ما تبقى من بيوت عائلات كثيرة تم تهجيرها قصريا واستغلال اجهزة الدولة الامنية لتخويفهم حتى يتركو بيوتهم كجزء من مشروع محافظ الاقصر لتحويل المدينة لمتحف مفتوح]


في عام 2006 بدأ التفكير في مشروع قومي لتحقيق تنمية شاملة في مدينة الأقصر وتحويلها الي متحف مفتوح، ومن أجل ذلك كان لابد من تنفيذ بعض الازالات و نزع ملكيات العديد من الأراضي التي كانت تعترض المشروع، الا أن السلطة لم تقم بتعويض المواطنين بشكل عادل حينئذ. بعد عدة سنوات وعقب ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 قام المتضررين بتنظيم مظاهرات حاشدة مطالبين بصرف التعويضات المالية للأضرار التي لحقت بهم جراء التطوير، وبعد عدة سنوات واستجابة للضغوط المستمرة من المتضررين؛ وتحديداً في مارس 2013؛ تم اعتماد 100 مليون جنيه لهذا الغرض


في عام 2007 أصدر مجلس الوزراء قرارًا بعدم تجديد عقود إيجار أراضي جزيرة “القرصاية” للأهالي أصحاب الحيازة القانونية، فيما اُعتبر تمهيدًا للاستيلاء عليها لصالح استثمارات خدمية وسياحية، تبعه محاولات السلطة استخدام القوة لإخلاء الجزيرة من أهلها بشكل قسري. لجأ الأهالي للقضاء الاداري وبالفعل في 2008 نجحوا في إلغاء القرار الوزراي، الا أن الحكومة قامت بالطعن علي هذا القرار، وفي 2010 تم رفض الطعن مؤكدةً على أحقية الأهالي في أراضي الجزيرة. وفي نوفمبر 2012 قامت القوات العسكرية بالانتشار في الجزيرة في محاولة جديدة لنزع الأرض من السكان وتم القبض علي عدد من الأهالي ومنهم من حوكم عسكرياً. وفي أغسطس 2013 أصدرت هيئة مفوضي الدولة تقريراً يوصي بأحقية الأهالي في الأرض


في أكتوبر 2011 أصدر محافظ القاهرة قرارا باستيلاء المحافظة على أرض رملة بولاق تمهيدا لتنفيذ اتفاق تعاون بين صندوق تطوير المناطق العشوائية ومحافظة القاهرة لتطوير المنطقة، وصنّف ملكية الأرض بها كـ”أملاك دولة”، الا أن محكمة القضاء الاداري قضت في أغسطس 2013 ببطلان هذا القرار


برغم الاختلاف بين طبيعة مشروع المحطة وبين هذه المشروعات، الا أن هذه الأحداث وغيرها تعاقبت واحدة تلو الأخري أثناء قراءة خبر استجابة الحكومة لسكان الزمالك. استجابت الحكومة بعد جولات ومشادات وحشد، وفي مواضع أخري قامت بمقاضاة المواطنين من أجل طردهم من مساكنهم أو نزع ملكية أراضيهم، زعما بأن ذلك من أجل الصالح العام، أمّا مشروع انشاء “محطة مترو”؛ والذي بالنظر في “صورته الأكبر” يشمل خدمة أصحاب المصلحة من سكان وطلبة جامعات وعاملين وزائرين للأنشطة الخدمية والتجارية والسياحية والمراكز الثقافية المنتشرة في أرجاء الحي؛ اضافة الي تأثيره علي السيولة المرورية؛ كان أمراً يحتمل عقد جلسات عدة من النقاش المجتمعي، واجراء محاولات للتوصّل لحلول وسط، ثم التراجع في نهاية الأمر


بعد الموافقة علي دستور 2014 الذي ينص صراحة علي  ”حظر التهجير القسري” (المادة 63)، و”كفالة الدولة للحق في المسكن الملائم” (المادة 78)، والتزام الدولة “بحق المواطن في حياة آمنة وتوفير الأمن والطمأنينة” (المادة 59)،  الا أنه وبتاريخ 18 فبراير 2014 تمت عملية ازالة مساكن واخلاء سكان “عشش التوفيقية” بعزبة النخل، وما زال الأهالي في انتظار كشوف الحصر التي تضم الأسر التي ستحصل علي وحدات سكنية بديلة، وفي 19 فبراير 2014  شنت مديرية أمن كفر الشيخ حملة مكبرة ضمت آلاف الجنود والجرافات في لإزالة منطقة “منشية فؤاد القبلية” بمدينة كفر الشيخ، والتي يقطنها آلاف الأسر من العاملين في تجميع «الخردة» و«القمامة» والـ« روبابيكيا»


علي مدار سنوات ما يزال المسئولين يُصرّون علي تكرار نفس الأساليب القديمة مع مواطني الطبقة الكادحة، ويقدمون حلولاً غير مستدامة لتحقيق مصلحة يزعمون أنها “أشمل”، وتتم عمليات الازالة بشكل مُفاجئ لا يراعي آدميتهم، كما أنها تتم “قبل” طمأنة الأهالي علي مصيرهم بشكل واقعي وجاد، ثم تنتشر مصطلحات مثل “50 متر أحسن من عِشّة”، “هما أصلا بانيين مخالف”، “بيشوّهوا المنظر”، “بيتعدّوا علي الأرض الزراعية”، “المفروض يحمدوا ربنا” علي تلك البدائل التي لا تراعي عددهم، ولا أسلوب حياتهم، ولا التأثير النفسي عليهم، ولا الحد الأدني من الحياة الكريمة، وكأن ليس من حقهم أن يحلموا بأكثر من ذلك، وإن لم يستطيعوا التأقلم مع هذه البدائل المفروضة عليهم؛ فهُم المُـلامين، لأن ليس في الامكان أفضل مما كان


ربما يتصادف أن “المشروعات القومية” التي تتطلب تضحيات كبري دائماً ما تتعارض مع “الفقراء والمُهمَّشين”، وبالتالي فإن عليهم التنازل من أجل “الصورة الأكبر”، والتي يتصادف أيضا أنها لا تشمَلهم أبداً

The untapped potential for civic tourism

SCROLL DOWN FOR ENGLISH


الفرص التى يمكن للسياحة أن تقدمها لخدمة التحول العمرانى فى مصر ما زالت غير مستغلة. فالسياح الذين يأتون إلى مصر من كل أنحاء العالم لا تخرج برامجهم التقليدية عن مشاهدة القليل من المواقع الأثرية، غالبا فى الأقصر، أو قضاء بعض الوقت على الشاطىء، غالبا فى شرم الشيخ. بسبب ضيق أفق تلك البرامج وعدم الترويج عن الكثير من المواقع التى يمكنها جذب السياحة، غابت الكثير من المواقع فى عالم النسيان، أو اغلقت طويلا للتجديدات


لدى مصر إمكانيات غير مستغلة فى مجال السياحة العمرانية. فمن الممكن أن تصبح مختلف المدن والبلدات الواقعة فى كافة أرجاء البلاد أماكن يمكن للسياح الاستمتاع بزيارتها، ليس فقط لمشاهدة مواقع اثرية او تراثية بعينها ولكن لمشاهدة تلك الأماكن ذاتها والتى يتميز كل منها بطبيعة مميزة ومذاق خاص. برغم ثراء القاهرة بالإمكانيات الخاصة بالسياحة العمرانية، فإن المسارات السياحية الرئيسية فى تلك المدينة تركز على حفنة من المواقع وتتناسى حقيقة أن المدن فى مختلف أنحاء العالم قد أصبحت تجذب الزائرين فى حد ذاتها، أى بوصفها أماكن متكاملة وليست مجرد أماكن توجد بها بعض المواقع السياحية


باريس هى أكثر مدن العالم جذبا للزائرين، حيث يصلها حوالى 40 مليون سائح سنويا، أى أربعة أضعاف عدد السياح الذين يزورون مصر في ازهى سنوات السياحة. هؤلاء السياح لا يزورون باريس من خلال رحلات تنظمها شركات السياحة ولا يتم نقلهم من موقع لآخر داخل المدينة بالأتوبيسات. على العكس، فالمدينة تفتح ذراعيها للزوار لكى يستكشفوا شوارعها ومحلاتها ويستمتعون بكل نواحيها الجذابة


وهذا الأمر لن يحدث فى مصر طالما قامت حفنة من رجال الأعمال بالتحكم فى صناعة السياحة بأكملها وطالما استمرت الدولة فى تجاهل حقيقة أن السياحة العمرانية هى عنصر أساسى فى السياحة الإيجابية، تلك السياحة التى يمكنها أن تأتى بالزوار إلى المدينة مرارا وتكرارا


عندما تهتم بنوعية النقل العام ونظافة الشوارع، فإن مدينتك لا تصبح فقط أفضل لمن يعيشون بها ولكنها تجعل من يزورها يود العودة لها ثانية


خذ على سبيل المثال المتحف المصرى في ميدان التحرير، وهو أكثر متحف يرتاده السياح فى مصر. هذا المتحف لا يمكن للسائح أن يعبر الطريق المجاور له، إذ ليست هناك إشارة مرور ولا أماكن عبور للمشاة! عندما تعامل المدينة سكانها بلطف واحترام فإنها سوف تكسب أيضا ثقة وحب الزائرين


فى وسع السياحة المحلية أن تكون محركا قويا للإقتصاد. ومصر، التى يبلغ تعدادها 90 مليون، يمكنها الاعتماد على سوق السياحة الداخلى بها. ليس هناك نقص فى السياح المصريين. ومع هذا ليست هناك استثمارات تذكر فى ميدان السياحة الداخلية. ويجب أن نتذكر أن السياحة الداخلية ليست فقط قادرة على تحفيز الاقتصاد ودفع عجلة التنمية العمرانية، ولكن فى وسعها أيضا أن تزيد ثقة السكان بأنفسهم ووعيهم بثقافتهم وتراثهم الفريد.


الخطوة الأساسية تجاه تحويل المدن المصرية إلى أماكن تستحق أن يستكشفها السياح المحليين والدوليين هى فى قيام مؤسسات الدولة بالاستثمار فى تشجيع روح من الفخر فى أوساط المجتمع المحلى. من عادة المصريين أن يقوموا بتعريف أنفسهم على أساس المكان الذى جاءوا منه، وأى منطقة وأى شارع وأى مبنى عاشوا فيه. وفى بعض الأحياء مثل شبرا والفجالة والسيدة زينب على سبيل المثال، تجد هذا الاحساس بالفخر مرتفعا إلى أقصى الحدود. فى بعض الأحياء هناك قصص تروى وأماكن تزار، ولكنها ليست معروفة إلا لسكان تلك المناطق فحسب، وليست من الأمور التى يعرفها الوزير او المحافظ الجالس على مكتبه. من عادة المصريين، بكرمهم المعروف، أن يرحبوا بالضيوف فى مناطقهم، وذلك باستثناء الأوقات التى تقوم فيها الدولة ببث نوع من جنون الاضطهاد بين السكان على نحو يجعلهم يتشككون حتى فى جيرانهم

تخيل كيف كان يمكن لخريطة القاهرة السياحية أن تكون لو قام كل حى بحكاية قصصه الخاصة. تخيل ما يمكن أن يصنعه هذا الأمر فى تحفيز الاقتصاد المحلى وفى جعل خفايا التاريخ الاجتماعى والثقافة متاحة لجمهور أكبر للمرة الأولى

السير على الأقدام هو الطريق الأفضل لكى تستكشف أى مدينة بما فى ذلك القاهرة. ومع أننا قد نكافح من أجل العثور على أرصفة مناسبة وطرق آمنة لعبور الشوارع، فما زال السير على الأقدام هو الطريقة الوحيدة لكى نتعرف حقيقة على القاهرة. وركوب الدراجة هو أيضا اختيار مناسب، رغم الصعوبات المتعلقة بأحوال الطرق السيئة الرصف والازدحام، ولكن فى كل صباح من أيام الجمعة يمكنك أن تخرج للسير وركوب الدراجات واستكشاف المدينة، وليس هناك ما يمنعك من المحاولة. اختر نقطة لقاء وقم بدعوة أصدقائك واستكشف المدينة

The potential for tourism in Egypt to become a powerful tool for urban transformation has not been realized. The main tourist itineraries bring international tourists into the country to see few ancient sites mostly in Luxor and spend time on the beach mostly in Sharm el Sheikh. One of the results of this limited tourist itinerary and the lack of promotion of many sites targeting Egyptian domestic tourists has been that many sites become forgotten, closed forever for renovation.

Egypt has an unrealized potential as a destination for civic tourism in which cities and towns around the country are places that tourists can visit not to see particular sites but simply to be in those places, each with its own character and local flavor. Cairo is rich with potential for civic tourism but the main tourist itineraries in the city focus on relatively few sites while ignoring the fact that cities around the world have become destinations in their entirety not just as places where some historic sites can be visited.

Paris, the most visited city in the world, receives 40 million tourists a year, more than four times the highest number of tourists to visit Egypt in a year. Those 40 million visitors to Paris don’t go there with tourism companies that bus them around from one site to the next, instead the city is made open for visitors to explore its streets, shops and urban landscape. This process will not happen when only few businessmen control the entire tourism industry and will not happen when the state continues to ignore urban development as an essential aspect of a positive touristic experience that will bring visitors back for multiple visits.

Things like transport and street cleaning not only make the city better for residents but also for tourists. Look for example at the Egyptian Museum, the city’s most visited museum by tourists where there is no way for a pedestrian to cross the street to the museum, no traffic light and no cross paths. A city that is friendly to its inhabitants will be friendly to its visitors.

Domestic tourism could be a powerful economic engine. Egypt with a population of 90 million is already its own best market for tourism, Egyptian tourists are already here. Yet there is nearly no investment in domestic tourism.

Domestic tourism not only has the potential to keep the industry growing economically and contribute to urban development, it can also be a powerful engine in rebuilding a sense of national pride and confidence based on an awareness of the complexity of Egyptian culture and heritage.

An essential step towards making Egyptian cities places to be explored by domestic and international tourists is for the state’s many institutions to invest in fostering a sense of local/neighborhood pride. Egyptians often identify themselves by where they are from, which area, which street and which building. In some neighborhoods such as Shubra, Faggala and Sayeda Zeynab for example this sense of local pride is very obvious. In each neighborhood there are stories to be told and places to be visited but only people from that area will know, not a minister sitting in his office.

Egyptians are also very generous and they like to welcome guests into their areas, except when the state injects high levels of paranoia into society making people suspicious of their own neighbors! Imagine what the Cairo tourist map will look like if every neighborhood told its own stories. Imagine what this can do to stimulate local economy and to reveal layers of social and cultural history to a wider audience for the first time.

Walking is the best way to explore any city and Cairo is no different. Although we may struggle to find proper sidewalks and safe ways to cross streets, walking is still the only way to really get to know Cairo. Biking is also an good option with its own difficulties due to poor road conditions and crowdedness but Friday morning is the best time to walk and bike and explore the city, there is no excuse to not try it. Select a meeting point, invite friends and explore.

Gudran: 13 years of cultural activism in Alexandria

image

image


                                                                                  عبد الرحيم يوسف


(1)
في عام 2002 قرأت في العدد الثالث من مجلة “أمكنة” مقالا للفنانة التشكيلية “علياء الجريدي” تحكي فيه عن تجربتها ورفيقها الفنان “سامح الحلواني” في العمل الفني التنموي بقرية الصيادين بالمكس غرب الإسكندرية، ولسبب ما ظننتهما فنانين متقدمين في العمر يقومان بعمل لطيف يقضيان به أيامهما الهادئة في تعليم أطفال تلك القرية الرسم. كانت المقالة تحكي عن كيف عاد الفنانان إلى مدينتهما الإسكندرية بعد أن قضيا فترة في العمل مع أطفال بعض المناطق الفقيرة في المنيا والقاهرة، ثم اكتشفا أو أعادا اكتشاف تلك القرية التي يمران بها يوميا في طريقهما من العجمي إلى وسط البلد والعكس. وكيف استطاعا الدخول إلى قلب تلك القرية الفقيرة والمحرومة من كافة الخدمات الثقافية واستطاعا استئجار منزل صغير حيث تمكنا من الاقتراب من أهل القرية وبدء فصول تعليم الرسم مجانا للأطفال. تكلمت المقالة كذلك عن الطبيعة المعمارية الفريدة والفقيرة للقرية التي تطل بأكملها على “خندق” أو مجرى مائي يصب في البحر وتقوم على ضفتيه البيوت التي تقف أمامها مراكب الصيد. وقد كتبت د. ماري تريز عبد المسيح عن هذا المقال في إطار قراءتها لهذا العدد من أمكنة المنشورة في مجلة نزوي قائلة “وعلى الرغم من أن علياء الجريدي وزوجها كانا دخلاء على مجتمع مغاير إلا إنهما اندمجا فيه لتفهمهما معمار علاقاته وتيسر لهم التعامل معه لنجاحهم في تهيئة محيط من التعامل يتلاءم والمحيط القائم. فمدرسة الرسم التي أقاماها وأسلوب تعاملهما مع المتدربين وأهاليهم جعل من المكان مساحة لتبادل التجربة والخبرات وللتعامل مع الآخر بوصفه اختلافا وليس نهجا  قديما  يستحق إقحام معايير جديدة عليه بحجة التحديث. فمدرسة الرسم التي أشرفا عليها  كونت مجرى مائيا .يؤدي إلى بحر واسع من العلاقات الإنسانية العميقة”


وفي عام 2004 عرَّفني الصديق عبد الله ضيف الكاتب والمخرج المسرحي ومدير البرامج بمؤسسة جدران للفنون والتنمية على علياء وسامح ولدهشتي وجدتهما فنانين شابين في أواسط الثلاثينات، وأكمل الاثنان لي بقية الحكاية وكيف تحمس مجموعة من أصدقائهما التشكيليين والموسيقيين والمسرحيين وشاركاهما التجربة التي توسعت لتقدم ورشا فنية مختلفة وفصولا لمحو الأمية ولتعليم السيدات التطريز استفادة من خامات وتراث المنطقة بالإضافة إلى المساهمة في ترميم بيوت القرية وتجميلها بالرسم على جدرانها، وسُجلت في وزارة الشؤون الاجتماعية عام 2003 كمؤسسة أهلية تحمل اسم “جدران للفنون والتنمية”. انضممت لفريق عمل جدران كمعلم متطوع للغة الإنجليزية وكمترجم لمشاريع وتقارير المؤسسة. كنت أذهب مرتين أسبوعيا إلى “بيت المكس” كما كانوا – وما زالوا – يسمون مقر جدران بالقرية والذي اصطلح الأهالي على تسميته بالمكتبة. يتكون البيت من ثلاثة طوابق لا يبدو منها للمار في الشارع غير طابق واحد حيث يرتفع الشارع عن سطح البحر، وحينما زرت البيت في صيف 2004 كان ممتلأ بالأطفال والشباب وبعض السيدات في ورشة التطريز. أذكر حتى الآن كيف رد عليّ أحد الفنانين المتطوعين هناك عندما علقت له على أداء الأطفال الشقي وتعامل الشباب العدائي بعض الشيء “دي منطقة مش عايزة مُصلح .. دي عايزة نبي !”. كان معظم مجموعتي من الفتيات اللاتي يبدين غالبا التزاما وطموحا أكبر، لكن مع الوقت استطعت تكوين علاقات جيدة مع بعض الشباب. كانت القرية المنغلقة على نفسها والمحرومة من كافة الخدمات تعاني كذلك من حصارها بمصانع البتروكيماويات التي تصب مخلفاتها السامة في مياه المجرى المائي فتتسبب في إصابة معظم أهل القرية خاصة الصيادين منهم بالأمراض الجلدية والصدرية، وكانت الحكومة تخطط لإزالة القرية بأكملها ونقل سكانها إلى منطقة نائية في صحراء العامرية. وربما كان لنشاط جدران هناك ومعسكراتها الفنية التي استضافت عددا من الفنانين من مصر وخارجها بعض الفضل في تغيير النظرة الرسمية العدائية للمكان ومساعدة أهل القرية على إيصال صوتهم لبعض الجهات ذات النفوذ. لكن من ناحية أخرى كان للجماعات الدينية الأصولية المسيطرة على قطاع من الأهالي رأي آخر، فانصب هجومها في خطب الجمعة بمساجدها على تلك المؤسسة الممولة من جهات خارجية والتي تنشر الفساد وتعلم الأطفال الفنون وتأتي للقرية بنسوة متبرجات ! أذكر حوارا تم مع أحد الشباب المترددين على المكان والذي صارحني بأزمته المتمثلة في ارتباطه بالمكان الذي يجد فيه متعة وفائدة كبيرة وقلقه من كلام هؤلاء الشيوخ الذين هم “بتوع ربنا”. بمرور الوقت خفت هذه الأزمة وما زال “بيت المكس” مفتوحا يمارس نشاطا أقل مع ندرة تردد الفنانين عليه لكنه الآن يُدار بواسطة مجموعة من شباب المكس أنفسهم الذين كانوا أطفالا يترددون على المكان منذ 13 عاما. وقد حصلت جدران في عام 2010 على جائزة تقديرية من مسابقة حسن فتحي للعمارة عن مشروع قرية الصيادين بالمكس “وذلك لإسهامه في تمكين المجتمع المحلي – عن طريق الفنون الاحتفالية – من المشاركة في تحسين البيئة العمرانية.”

image

image


(2)
في عام 2005 بدأت جدران مرحلة جديدة في الخروج من بيت المكس وممارسة نشاطها في أماكن أخرى بالإسكندرية، بدأت ببعض المقاهي في وسط البلد حتى تم افتتاح “الدكان” عام 2008. والدكان هو بالفعل محل صغير من طابقين في ممر بين شارعي أديب إسحق وممر السنترال بالمنشية. أعادت جدران تصميم الدكان ليصبح ذا طابقين: الأول منه والمفتوح على الشارع مساحة للمعارض الفنية والورش والقراءات الأدبية والعروض السينمائية والمسرحية التي تتلاءم مع شكل المكان، والطابق الثاني جاليري يعرض أعمالا في التصوير والنحت لفنانين شباب بجانب منتجات ورش المكس. كما استغلت جدران مساحة الممر الممتد أمام الدكان لتملأ جدرانه برسوم الجرافيتي لفنانين أصبحوا اليوم من أشهر فنانين الجرافيتي في مصر مثل جنزير وآية طارق. وفي 2009 نظمت جدران معسكرا فنيا دوليا حمل اسم “زينة” عمل على استكمال ترميم الدكان وممره بالإضافة إلى الرسم بطول جدران حارة الأقباط المتفرعة من شارع محمود عزمي والتي تركتها أعمال الحفر الحكومية في حالة صعبة وتم صنع مكتبة كبيرة في نهاية الحارة وإمدادها بعدد ضخم من الكتب وإهداؤها لعم عربي صاحب أقدم كشك في الحارة ليشرف عليها مع مساعدته بتنظيم بعض الورش الفنية لأطفال الحارة والفاعليات الموسيقية من آن لآخر

 
(3)
في عام 2010 بدأ التعاون بين جدران وشركة “إينوسيس لإدارة المطاعم” بالإسكندرية ومديرها “نيقولا كاتسبيريس” لاستغلال مبنى صغير مهجور خلف سينما ريالتو بشارع صفية زغلول بمنطقة محطة الرمل في الإسكندرية تستأجره الشركة من البطريركية اليونانية (التي تملك الكثير من المباني هناك) كمخزن. كان المبنى في الأصل جزءا من السينما استخدمته في الماضي كمقر لماكينات التكييف الضخمة ولم تعد في حاجة إليه بعد تطور أجهزة التكييف فتركته للبطريركية بعد أن استخرجت ماكينات التكييف القديمة، ويبدو أن جزءا من المبنى الصغير تهدم أثناء عملية الخروج تلك. كانت الفكرة من التعاون هي إعادة ترميم وتصميم المكان ليصبح مركزا ثقافيا وفنيا يحمل اسم “الكابينة” ويتكون من قسمين رئيسيين: استديو للبروفات الموسيقية مفتوح للفرق الموسيقية المستقلة والحديثة التي تقدم ما يُعرف بالموسيقى الأندرجراوند، ومكتبة للاستعارة والقراءة وإقامة الفاعليات الأدبية والعروض السينمائية. وقد بدأ العمل في الكابينة في ربيع 2010 ومع تقدم العمل كانت الفاعليات الفنية تُقدَّم في المكان بحالته تحت اسم “منطقة عمل” في إطار محاولة لجعل الجمهور متابعا لتطور العمل والمكان منذ البداية. ومع نهاية مايو 2011 أصبح المكان مستعدا لبدء فاعلياته التي اتخذت شكل برنامج شهري يحتوي فاعليات أدبية وسينمائية وموسيقية حملت أسماء كبيرة مثل الكُتاَّب: صنع الله إبراهيم وإبراهيم عبد المجيد وأهداف سويف وعز الدين شكري وخالد الخميسي وإبراهيم رضوان وغيرهم من الأسماء الهامة من مختلف الأجيال، وعلى مدى عامين نظم القسم الموسيقي من الكابينة مهرجانا موسيقيا حمل اسم “أفقي” قدم الكثير من الفرق الموسيقية المستقلة والشابة مع عروض لأفلام موسيقية وندوات ومحاضرات قام بها الموسيقيون المشاركون. وأصبح المكان الآن أحد أنشط الأماكن الثقافية بالإسكندرية
image


(4)
مع نهايات 2012 اكتملت ملامح مشروع جديد لجدران بالتعاون مع السيد “بازيلي بِهنا” وهو مشروع “وكالة بِهنا” الذي سيركز على السينما والفنون البصرية. تقع الوكالة داخل سوق الورق في منطقة المنشية، وهي منطقة مجموعة من أكبر الأسواق الشعبية المتنوعة، وفي أحد المباني التراثية ذات الطراز المعماري المميز. وتبلغ مساحة المكان حوالي 528 مترا مربعا مقسمة لاثنتى عشرة غرفة، وملحق بها مخزنان أسفل الشقة بمساحة 80 مترا مربعا. تعود ملكية وكالة بِهنا لشركة “منتخبات بهنا فيلم” والتي تم تأسيسها على يد الأخوان بهنا في 1931 حيث عملت الشركة بمجال توزيع الأفلام، وإن كانت قد أنتجت فيلم ” أنشودة الفؤاد” وهو أول فيلم موسيقي مصري وثاني فيلم ناطق في تاريخ السينما المصرية. إلا أنها فيما بعد ركزت في مجال التوزيع لتكون أكبر موزع للأفلام في مصر وإفريقيا والشرق الأوسط


وفي 1963 وبعد التغييرات السياسية في يوليو 1952 تم وضع الشركة تحت الحراسة، إلى أن استردها مالكوها في 2010. وتمتلك الشركة في مكتبها الرئيسي الضخم بميدان المنشية بالإسكندرية آلاف الوثائق عن مئات الأفلام المصرية وعن سوق التوزيع والإنتاج الفني في تلك الفترة. وتقوم جدران حاليا بعملية ترميم شاملة للمكان الذي طالته يد الإهمال طوال سنوات التأميم فسقطت الكثير من أرضياته وحوائطه، ويهدف المشروع الذي سيتم افتتاحه بنهاية 2013 إلى وجود أرشيف يحوي وثائق وأوراق الشركة، وقاعة لعرض الأفلام وقاعة لوحدة مونتاج وقاعات لعرض الفنون البصرية


(5)
وسط واقع غائم وسياسات ثقافية متخبطة وتقلبات هائلة في المشهد السياسي والاجتماعي بشكل عام، تبدو محاولة البقاء ومساحة العمل التي تخلقها المؤسسات الأهلية والمبادرات الشخصية أملا أخيرا لصنع أثر ووجود فني وثقافي حقيقي للفنانين والمبدعين في محيطهم الاجتماعي ولتعريف المجتمع وتوصيل أعضائه بالأشكال الإبداعية المعاصرة والقادرة على تنمية وعيهم وذوقهم ورؤيتهم لماضيهم وواقعهم ومستقبلهم

 عبد الرحيم يوسف شاعر ومترجم يعمل مدرسا ومنسقا فنيا بمؤسسة جدران للفنون والتنمية

Reducing the Sulfur in Cairo’s air

image


احمد الضرغامي


لم يعد التعبير “الحياة فى القاهرة ليها طعم تانى” تعبير مجازى، فإن كنا يوماً نشم تلوث الهواء فور فتح باب الطائرة ترحاباً بنا، فقد أصبح تركيزه الفائق اليوم يسمح لنا إستطعامه أيضاً! ثم نعتاد على مذاق تلك الطبخة فى غضون أيام وتنضب حواسنا (من رحمة الله) لنتعايش مع واقع المدينة، ثم ننسى ونُنسِب أمراضنا إلى ما هو مكتوب على الجبين، ويسخر جيل السمنة البلدى من شيخوخة شباب جيل الكرش المُبكّر، الجيل الذى لن تتحقق طموحاته فى اللعب والرياضة سوى فى العالم الإفتراضى من “البلاي ستيشن” الذى وصل لأفقر قرى مصر لتملأ فراغاً كبير… نتحدث هنا عن أغلبية لا تستطيع شراء الهواء النقى (تكييف متواصل فى البيت والعمل والمواصلات) ولا إرتياد الأماكن الترفيهية والرياضية المكلِّفة، فالأماكن المعزولة عن أهوال ومخاطر المدينة من مرور وتلوث ليست للجميع … ومع ذلك يتأثر بالطبع أيضاً أغنى ساكن فى القاهرة، فواقعياً لا مفر تام من الهواء، ولاحماية كاملة لأولادنا منه سوى مجابهته من المنبع وعدم الإستسلام للإعتياد

لمن لايريد الإستسلام لما هو مكتوب على الجبين أدعوه للتأمل فى أحد مكونات تلك الطبخة التى نستطيع التحكم فيها –الكبريت-. فإن تسائل البعض مثلاً عن أحد الأسباب الرئيسية لنقل تمثال رمسيس من ميدانه فإن الإجابة ستكون تلوث الهواء. و طبخة ذلك التلوث عبارة عن جسيمات عالقة دقيقة وكربون وأكسيد نيتروجين وأكاسيد كبريت ومُركَبات أخرى، منها المؤذى والسام والمسرطن. معظم نسب تلك المكونات تأتى من حرق البنزين والديزل (السولار) فى زحمة المرور لينتج ما نراه - وكثير مما لا نراه- منبعث من شكمان كل سياره وميكروباس وأتوبيس. ومن خواص أكاسيد الكبريت أنها تذوب فى رطوبة الجو أو الندى اليومى (وبالطبع رطوبة إعضاء جهازنا التنفسى وأعيننا) لتتحول إلى حمض كبريتيك يؤثر علينا صحياً كما يتسبب فى تدهور تراثنا المعمارى والأثرى بالتآكل… ولمن لا يعلم، يستخدم هذا الحمض فى تركيزات عالية جداً كسلاح سائل “مية نار” وهو ما أستخدمه القاتل الشهير “جون جورج” هيغ الذى تم تخليد قصته فى متحف “مدام توسو” فى إنجلترا حيث تمرَّس على إذابة أجساد ضحاياه كاملةً لأخفاء جرائمه… ومن هنا قرر العلماء فى مصر أن الهواء لن يتحمله الصنم

تم نقل تمثال رمسيس فيما بعد إلى موقع المتحف المصرى الجديد بالقرب من الأهرامات … ولكن ماذا عن الهواء فى محيط الأهرامات ذاتها؟ يتردد الآلاف يومياً مستقلين الأوتوبيسات السياحية التى يُسمح لها الركن عند سفح الأهرامات. ويَـتـرُك السائق المحرك يعمل طوال وقت الإنتظار للحفاظ على تكييف الأوتوبيس الخالى حتى يُكرِم السائح بلفحة هواء مثلجة حينما يعود، فتستمر الأوتوبيسات الوافدة والمركونة طوال اليوم فى حرق وقود الديزل. ولكن هذا الوقود ليس الديزل المتعارف عليه وفقاً للمعايير الدولية، والتى تحدد نسبة الكبريت فى الوقود عند الـ15 جزء فى المليون (أو 50 جزء فى المليون كنسبة إنتقالية)، ولكنه فى مصر يُـسـتـخـدم بنسبة كبريت 5000 جزء فى المليون! وجدير بالذكر أن تداول الديزل بالمعايير المثالية لا يقتصر على دول أوروبا المرفهة مثل السويد والنرويج، فبالنظر للشرق الأوسط نجد أمثلة ريادية عديدة، فالنسبة فى المغرب وعمان وتونس 50 جزء فى المليون وفى بعض الدول الأخرى فى المنطقة 500 وفى إسرائيل نسبة مبهرة وهى 10 جزء فى المليون، ولكن يعود ذلك لسياسات وقوانين صارمة لم يصدُر مثلها فى مصر حتى الآن… ولذلك عانت الأهرمات فى السنوات القليلة الماضية ما لم تعانيه على مدى خمسة آلاف عام، فضلاً عن ما يصيبها من جرَاء الملوثات الأخرى كالجسيمات العالقة المحملة بالكربون الذى أعتم ألوان المدينة وسوَّد ملابسنا

image


توصّلَت الدراسات العالمية مثل التى أعدتها هيئة حماية البيئة للولايات المتحدة إلى أن التكلفة الإضافية للحد من نسبة الكبريت فى الوقود - مثل تحديث محطات التكرير أو تغيير المورِّد - ليست مرتفعة إذا ما قورنت بتكلفة التلوث ومعالجة آثاره المذكورة، فقد تصل تكلفة تلك الآثار من اضرار صحية وبيئية إلى 10 أضعاف التكلفة المادية لإجراءات التخفيض - كتوفير ما يصرف على العلاج وخسائر ضَعف إنتاج المواطن المرهق وتاثيرات أخرى على النباتات والمعدات وغيرها، وهذا يلفت إنتباهنا لما قد تـتـكـبَّـده الدولة اليوم دون داعى من تكاليف غير مباشرة. كما أثبتت دراسات فى أوروبا أن إنخفاض الكبريت فى وقود السيارة يُحسِّن من كفاءة الموتور ليستهلك وقود أقل، فيعنى ذلك وفر كبير لدولة داعمة للوقود مثل مصر حيث يبتلع الديزل قرابة نصف قيمة دعم الطاقة


وفى السباق الذى نعيشه اليوم لإعداد سياسات تضمن العدالة الإجتماعية فى مصر قد يفيدنا كثيراً التأمل فى الواقع التالى: أنه على الرغم من معاناة سكان القاهرة جميعاً من التلوث والزحام وحوادث المشاه والتعدى على الحق فى المساحات العامة والحق فى تنفس هواء نقى فإن كل هذا من أجل خدمة صاحب السيارة وتوسيع الطرق الرمادية له، مع أن المتسببين الرأيسيين فى تلك الزحام هم أقلية، فإن عدد المنازل فى القاهرة الكبرى التى تملك سيارة هو 14% فقط، بينما المعاناة من الحياة الرمادية المزعجة يدفعها الأغلبية من فئات الشعب الذين يـتـنـقَّـلـون جماعياً فى المواصلات ومشياً بين الرحالات… وبالتالى سياسات الهواء النقى لا تقتصر على جودة الوقود فحسب ولكن التحكم أيضاً فى تلك الأقلية من مالكى السيارات وإيجاد بدائل لهم من مواصلات عامة راقية جذابة وكذلك توفير بيئة آمنة للمشاة ولراكبى الدراجات وسياسات لترشيد إستخدام السيارة وبرامج تشجيع العمل والتسوق عن بعد كبديل جزئى للتنقل بالسيارة وغيرها من البدائل كى نشجِّع على نمط حياة صحي وواعى بيئياً وإجتماعياً


 المشوار ليس بعيداً، فلنتذكر سرعة دولة الصين فى التحكم فى تلوث الهواء طموحاً فى إستضافة أوليمبياد 2008 فى بكين و ما ترتب عليها من مكاسب هائلة ولنتذكر جرأة محافظ بوجوتا بكولومبيا فى أواخر التسعينيات الذى ضرب بعرض الحائط خطة الدولة للتوسع فى الطرق المرورية بالمدينة واستبدلها بخطة إرتقاء عمرانى يخدم جميع الأعمار والفئات من المشاة وراكبى الدراجات والمواصلات والتوسع فى المناطق العامة على حساب الأسفلت مما جعل مدينته مَدرسة لمدن العالم التى تـتـطـلّـع للجمال وجودة الحياة والعدالة الإجتماعية… وبمثل هذا الفكر سيعود المذاق الحقيقى الخاص بالقاهرة… ولن يكون الكبريت

The waqf system and the maintenance of Cairo’s historic buildings

SCROLL DOWN FOR ENGLISH

image


دينا باخوم

تترك شوارع القاهرة التاريخية، بكل طرقها وأزقتها الخلفية، انطباعات متضاربة فى نفس من يسير بها. ومع أنه لا يمكن انكار وجود مشاكل فى إدارة وصيانة المبانى الموجودة بالمدينة، فإن هذا لا يقلل من سحر المدينة بروحها المتفجرة وثقافتها الحية وتراثها الثرى


هناك قصص تروى فى كل شارع وزقاق ومدرسة وجامع ومتجر  وبيت عن أولئك الذين كانوا يعيشون بها ويعملون بها، بما فى ذلك الباحثون والزائرون. لذا فإن الدراسة والبحث والعمل فى تلك المدينة، مثله مثل المدينة ذاتها، ليس له حدود. القاهرة هى مدينة ديناميكية لا تعرف النوم ولا تخلد إلى السكون


سوف أروى فى هذا المقالة أحدى القصص التى تخص صيانة العقارات فى المدينة، وهى قصة المحل الذى يوجد تحت الجامع أو المدرسة والذى يعد جزءا من الوقف المخصص لصيانة المكان


ما الذى تعنيه كلمة “وقف”؟


المعنى الحرفى لكلمة “وقف” واضح وهو أن توقف شيئا ما وتمنع التصرف فيه (بالبيع والعطاء والشراء والرهن والتوريث والهبة) وتقوم باستخدام دخله فى غرض خيرى أو قضية معينة. وباختصار فإنه نوع من الهبة المستمرة المخصصة أساسا للأغراض الخيرية. هناك كلمة اخرى استخدمت لوصف نفس النظام، وهى حبس


لكل “وقف” هناك ثلاثة عناصر. أولا، هناك الشخص الذى يقرر إنشاء الوقف، وهو “الواقف”. ويجب أن يكون الواقف شخصا بالغا رشيدا فى كامل قواه العقلية ويتفهم نتائج أعماله ويمتلك العقار أو الأصل الثابت المخصص للوقف. ثانيا، هناك الملكية ذاتها المخصصة للوقف والتى تسمى “الموقوف” (الجمع: “موقوفات”). و”الموقوف” يجب أن يكون له “منفعة” بمعنى أن يكون أصلا ثابتا قادرا على توليد الدخل أو مؤسسة تقدم خدمات. ثالثا، هناك “الموقوف عليه”، الجمع: “موقوف عليهم”، وتستخدم أحيانا كلمة مستحقون


يجب أن يتم كتابة عقد قانونى يسمى “الوقفية” يتضمن شروط “الواقف” ويشرح التفصيلات الإدارية والمالية ذات الصلة وأيضا الوصف المعمارى للعقار محل الوقف

image


تقدم تلك الوثائق مادة بحثية قيمة حول نظام “الوقف”، يمكن دراستها من أكثر من وجهة. وسوف أركز هذه المقالة على توضيح حقيقة أن نظام الوقف هو النظام التقليدى للصيانة والحفاظ على المعمار ووظائفه فى المجتمعات الإسلامية. من خلال نظام الوقف تم بناء العديد من المبانى الجميلة، منها المساجد والمدارس والسبيل-كتاب، والوكالات والبيمارستانات (مستشفيات) والمنازل والخانقات، وهي مساكن جماعية لها طابع الأديرة مخصصة للصوفيين


يتم الانفاق على تلك المؤسسات لكى يستخدمها الجمهور ويستفيد منها. وأحد شروط الوقف هو دوامه. ولكى نضمن دوام الوقف وفوائده، فإن الواقف يخصص بعض الأصول التى تولد الربح (مثل المحلات الموجودة تحت المبانى أو أصول أخرى بعيدة عن المبنى مثل الوكالات والحمامات والأراضى الزراعية، الخ) ومن أهم الشروط أن يكون دخل تلك الأصول ينفق أساس على “العمارة”، بمعنى صيانة المبنى وضمان استمراره فى أداء وظائفه


على سبيل المثال، نرى صك وقف “السلطان حسن” يشترط أن ينفق العائد فى “عمارة العقارات الموقوفة واصلاحها” بما يضمن استمرار مصدر الدخل و”دوام المنفعة”. تجد مثل هذا الشرط الخاص بإنفاق الدخل على صيانة العقار فى كل “الوقفيات”، نظرا لأن الصيانة تضمن استمرار المنفعة للمستخدمين


وبالتالى فأن الأموال المتولدة عن الوقف تخصص أولا للقائمين بالصيانة والإصلاحات وإيضا للمواد المختلفة التى تتطلبها أعمال الصيانة والترميم المستمرة. هناك مهام مختلفة تشملها تلك العملية ويتم ذكرها فى تفصيلات الصيانة الدورية. بعض تلك المهام يختص بتشغيل وصيانة جوانب معينة من العقار والبعض الآخر يتعلق بالإشراف الدورى والتحقق من حالة المبنى. وتتنوع الوظائف بين تلك الخاصة بالإدارة والصيانة (الأسطوات والبنائون والمعماريون) وتلك الخاصة بالتنفيذ (عمال التنظيف والسباكون والحجارون). كل تلك الشروط هى التى تتضمن استمرار المراقبة واتمام الصيانة بشكل منتظم


فى بعض الحالات هناك ذكر لإجراءات الصيانة الوقائية. على سبيل المثال، فى وقف السلطان الغورى (حكم 1501-1516) هناك عبارة تقول: “ويجب أن يقوم (المشرف) على الفور باستبدال أى بلاطات خزفية تسقط أو تصبح على وشط السقوط، ويجب أن يتم استبدالها فى الموقف فى نفس اليوم الذى تسقط فيه. وسوف يتم هذا فى حياة الواقف وأيضا بعد موته دائما وإلى ما شاء الله”

image


والملاحظ أن شروط الواقفين لم يتم احترامها على الدوام على النحو الذى أرادوه، وكانت هناك الكثير من المخالفات والأخطاء حتى فى تلك الأزمنة القديمة، ولم يتم الالتزام دائما بالقواعد الموضوعة. ولكن الوقف بوصفه نظاما يستهدف صيانة المبانى نجح بشكل واضح فى الحفاظ عليها على مر العصور. وهذا أمر يتضح من حقيقة أن “لجنة صيانة آثار الفن العربى” التى تكونت عام 1881 بهدف بصيانة وتحديد الآثار الإسلامية ولاحقا الآثار القبطية قد تم انشاؤها تحت اشراف وزارة الأوقاف. وقد تم حل اللجنة فى 1961 وحلّت محلها مصلحة الآثار ثم المجلس الأعلى للآثار ثم وزارة الدولة للآثار


والسؤال الآن هو من المسؤول عن المبانى التى تم وقفها؟ من الذى يقوم (أو يجب أن يقوم) بصيانة تلك المبانى؟ هى هى وزارة الدولة للآثار أو وزارة الأوقاف؟


يتوقف الأمر على نوع المبنى. لو كان المبنى قد تم تسجيله كأثر، وهو ما ينطبق على الكثير من المدارس والجوامع التاريخية فإن الفقرة السادسة من قانون “حماية الآثار” الصادر عام 1983 والمعدل فى 2010، تقرر إنه مملوك لوزارة الأوقاف، بينما تقرر الفقرة 30 أن المجلس الاعلى للآثار مسؤول عن الحفاظ والصيانة والتجديد


ومعنى هذا فإن وزارة الأوقاف يجب أن تدفع تكلفة الإصلاح والترميم. ولكن ليست هناك أى بنود مكتوبة تحدد كيفية القيام بذلك. فى 2008، تعرضت حشوات منبر المريدانى (1340) إلى السرقة. والسؤال هو من المسؤول عن أمن المبنى؟


لا داعى للدخول هنا فى تفاصيل المناقشة بين المؤسستين، ولكن من الواضح أن هناك نقص فى التنسيق بينهما، وهو ما أدى إلى تلك النتيجة. وهناك حاجة ملحة إلى ترتيبات إدارية وقانوية ملزمة تنظم تلك المسائل حماية لتلك الآثار التى لا تقدر بثمن


والخلاصة هى أن الكثير من مبادىء الصيانة التى كانت موجودة بالفعل فى ظل نظام الوقف لا تختلف كثيرا عن قواعد الصيانة المعاصرة. لذا فإنه من الواجب إحياء مبادىء “الوقف” الخاصة بعمليات الصيانة والإصلاح مع ارساء قواعد عامة للحفاظ على التراث الحى بشكل يحترم التوجهات المختلفة، وغير المتضاربة فى أغلب الأحيان، لكل المنتفعين والمهتمين بهذا التراث الحى

image

By Dina Bakhoum

A walk through Historic Cairo’s streets and alleys leaves one with conflicting impressions. Although one is struck by several conservation and management problems the overall spirit of the city’s vibrant living cultural heritage and traditions is overwhelming. Each and every street, alley, mosque, madrasa, shop and house carries stories about its patrons, users, inhabitants and also travelers and researchers. Therefore, the study, research and work on this city never ends, exactly like the city itself; it is indeed a dynamic city that never sleeps and continues to live.

This article will tell one of the stories namely that of living through maintenance, the story of the shop underneath the mosque or the madrasa, which was part of the waqf used for the upkeep of the endowment. So, what does “waqf” mean? The literal meaning of the word waqf is “to stop” or “the act of stopping”. One definition of waqf is that it is the prohibition (or the stopping) of al-tasarruf (selling, giving away, buying, mortgaging, making it inheritable, bequeathing and donating) of a person’s property that generates revenue, and the income is to be used solely for a charitable venue or cause. In brief it is a type of endowment for charitable purposes. [Another word that is also used describing the same system is habs.]

There are three important entities involved in the act of endowment (the waqf) that explain how it operated as a system. The first is the person who endows: the waqif, who had to be a free adult, in good heath and mental condition, cognizant of his/her actions and owning the endowed property. The second is the endowed property indicated as the mawquf (plural mawqufat). The mawquf had to have a benefit (manfa‘a); it could be a property generating revenue or an institution providing services. The third is represented by the beneficiaries (the mawquf ‘alayhi; plural mawquf ‘alayhum or mustahiqin).

A legal document was then drafted, the waqfiyya, which included the stipulations of the endower, administrative and financial matters as well as an architectural description of the endowed property.

These documents form valuable research material on the waqf system, which can be studied and researched from different perspectives. The angle of interest in this article is to show how the waqf system was the traditional maintenance and upkeep system in the Islamic societies. Through the waqf endowment system a number of magnificent buildings were constructed such as mosques and madrasas, sabils, sabil-kuttabs, wikalas, bimaristans (hospitals), houses, and khanqas (monastic residence for Sufis).

These institutions were endowed for the public to use and benefit from. One of the main stipulations of the waqf was that the endowment would be beneficial in perpetuity. To ensure the continuity of the waqf and its benefits, the waqif endowed other revenue generating properties (the shops under the buildings or other properties far from the building such as caravansaries, baths, agricultural lands, etc.) and stated as one of the most important stipulations that the income of this revenue generating properties was to be spent primarily on the ‘imara (actions that keep the building operational), upkeep and maintenance of endowed buildings or institutions.

To give an example, the waqf deed of Sultan Hassan stipulates that the spending of the revenue has to be used on “the ‘imara of the endowed properties and their repair and on that which ensures the preservation of the source of revenue and the perpetuity of the benefit of the endowed property”. This stipulation of spending the revenue primarily on the maintenance of the endowed property is found in all of the waqfiyyas because the maintenance ensured that the endowment remained beneficial to the users.

Accordingly money was allocated for 1- the people who will carry out the maintenance and repair and 2- also for the materials needed for the regular maintenance and upkeep activities. Different roles were clearly assigned for the regular maintenance operations; some had the responsibility to daily run and maintain certain aspects of the property and others had the role of periodic supervision and checking of the condition of the property. The jobs varied from managerial and supervision ones (such as supervisors, engineers, architects) to implementation ones (such as cleaning people, plumbers, marble masons, etc). All stipulations included regular monitoring and regular maintenance.

In some cases even preventive measures were mentioned. To give an example, from the waqf of Sultan al-Ghuri (r.1501-1516), where it is stipulated that:

“He [The supervisor] must immediately replace any blue ceramic tiles that have fallen or are about to fall; these are to be replaced in situ on the same day they fall. This should be done when the waqif is alive and also after his death, always and forever.”

Nevertheless, it is clear that the waqifs’ stipulations were not respected in perpetuity as they wished it would be. Of course, pressures and faults existed in historic times, and not all the stipulations were always followed.

Yet, as a system, the waqf remained to be considered as the body responsible for maintenance and repair of these medieval structures. This is clearly indicated by the fact that the Comité de Conservations des Monuments de l’Art Arabe (Comité) formed in 1881 to work on the conservation and restoration of Islamic and later Coptic Monuments was established under the Ministry of Endowment (Wizarat al-Awqaf). The Comité was dissolved in 1961 and the Egyptian Antiquities Organizations (later the Supreme Council of Antiquities, then Ministry of State for Antiquities) was formed.

The question is, who is responsible now for the buildings the endowed buildings or the awqaf? Who carries out (or should carry out) and funds now the maintenance of these endowments? Is it the Ministry of State for Antiquities or is it the Ministry of Endowments? This actually depends on the structure. If the building is a “registered monument” such as many of the medieval madrasas and mosques then according to the Egyptian Law on the Protection of Antiquities (of 1983 and 2010 modification) clause # 6, the Ministry of Awqaf owns the buildings, but according to clause # 30, the then Supreme Council of Antiquities is responsible for the conservation, maintenance and restoration interventions. Nevertheless, the Ministry of Endowments should pay for that. No further clear written guidelines regulates the exact responsibilities. In 2008, the inlay work of the minbar of the Mamluk Mosque of al-Maridani (1340 AD) was stolen and the big question was, who is responsible for also the security of the building? The details of the discussion between both entities will not be listed here, but what is clear is that it is the lack of coordination between both bodies that lead to this situation and there is an urgent need for a clear management and legally binding system that regulates these issues to ensure the protection of these gemstones.

In fact, many of the principles of maintenance that existed already within the waqf system are in line with many of the current conservation principles. It is essential to revive the waqf principles related to maintenance and repair operations and to establish common grounds for conserving and managing living heritage sites that would respect the different, yet not necessarily conflicting, values of the different stakeholders and beneficiaries, in order to preserve this vibrant living heritage.

Whose Heritage? Reflections from a disappearing Alexandria


محمد عادل دسوقي


في الصفحات الأولى من الجزء الأول من ثلاثية «القارة المائية» والذي يصف فيه الكاتب نيكولاس وودز ورث رحلته للإسكندرية كواحدة من ثلاثة مدن بحرمتوسطية كبرى، يستقل المؤلف القطار المتجه للمدينة، وتأتي جلسته إلى جوار طالب جامعي سكندري كان منشغلا بهاتفه المحمول. يتبادل الاثنان كلمات قليلة عن الإسكندرية. غير أن الشاب يخرج عن صمته فجأة عندما بدى على الكاتب الاهتمام الشديد بإحدى الفيلات القديمة المهمَلة تصادف أن يمر القطار إلى جوارها في نهاية رحلته


إنها لا شيء، قالها وهو يشيح بيده في رفض. “هناك مئات من هذه المباني في الإسكندرية. كان الأجانب الأغنياء يعيشون فيها. إيطاليون، يهود، يونانيون، شوام، فرنسيون.. لقد رحلوا جميعا. والآن تختفي هذه البيوت أيضا. سرعان ما سيهدم هذا البيت أيضا. ما أهميته؟ انه قديم”ـ


تعليق الشاب، مثل الفيلا نفسها، أثار الدهشة والتساؤل لدى الكاتب، فكتب يقول أن مثل هذا البناء التاريخي لو وجد في روما أو نابولي لكان له شأن آخر، لكنه في الإسكندرية أصبح مثالا على الإهمال. تعليق الشاب قصير ومقتضب، لكنه بلا شك لسان حال الكثير من سكان الإسكندرية على اختلاف أعمارهم وتخصصاتهم. بسبب عملي في تدريس العمارة واهتمامي بتاريخ المدينة العمراني سمعت مثل هذه الآراء كثيرا، ليس فقط من الطلبة بل من زملاء ومن مهندسين يمارسون المهنة منذ فترات طويلة، منهم من قام ببناء عمارات سكنية فوق حطام مثل هذه الفيلا منذ بداية السبعينيات. واليوم، وبعد عقود من هذا “الاستبدال العمراني” سيطرت الأبراج الخرسانية تماما على خط سماء المدينة. أحياء كاملة اختفت ملامحها العمرانية بشكل كامل عبر العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة. تغير عمراني سريع وكاسح لن يدرك فداحته إلا من يقوم بمقارنة الصور الفوتوغرافية القديمة لشوارع المدينة وميادينها بحالتها اليوم. تضاعفت قيمة هذه اللقطات كثيرا مع تغير المدينة. بعض الصور تفشل كل الجهود المبذولة الاستنتاج مكانها الحالي، رغم أنها تحمل تاريخ يعود الثلاثينيات مثلا


الإنسان بطبعه يرتبط بالأمكنة التي نشأ فيها أو تلك التي ارتبط بها تاريخ أسرته أو احدى الجماعات التي ينتمي إليها اجتماعيا أو ثقافيا أو دينيا. والمجتمعات المختلفة دائما ما تتخيل أن هُويتها مرتبطة بأماكن بعينها تصبح “أمكنة للذاكرة” وتحمل بالتالي قيما ومعانٍ أعمق وأهم من غيرها. ولايخلو سياق خاص بالهوية الوطنية من حديث عن أماكن تحمل رمزية ينبغي على الجميع أن يحافظ عليها. فالسؤال هنا إذن لماذا ترك سكان الاسكندرية مدينتهم تتحول بهذا الشكل؟ ولماذا أصبحت المباني التاريخية إرثا يخص غيرهم من جنسيات أصبحت في نظرهم غريبة على المدينة؟ ومتى أصبح “القديم” غير ذي أهمية؟ لا شك أن مأزق التراث في الإسكندرية مرتبط بظروف المدينة الجغرافية والتخطيطية والاقتصادية، لكنني هنا سأقوم بالتركيز على التغيرات السياسية والديموغرافية الجسيمة التي طرأت على الإسكندرية (وعلى مصر بشكل عام) في أعقاب يوليو 1952 باعتبارها أحد الأسباب المباشرة وراء هذه التحولات


لقد كان العمران ولا يزال وسيلة هامة تم استخدامها في دعم الأنظمة السياسية بأساليب مختلفة عبر التاريخ. فمن يتحكم في شوارع المدينة وميادينها يستطيع أن يؤثر بالتالي بقوة في وجدان أهلها وذاكرتهم الجمعية بالشكل الذي يتوافق مع مصلحته. من يتحكم في عمران المدينة يتحكم بالتالي في قرار إقامة (أو إزالة) النصب التذكارية بما يتفق مع روايته المفضلة للتاريخ، ويملك آلية تغيير أسماء الشوارع والحارات والمحطات ومباني الخدمات العامة بأسماء الأشخاص والأحداث التي يريدها أن تبقى في الأذهان لكي يبني عليها شرعيته، ويملك القرار في اختيار ما هو جدير بالترميم والحفاظ من عمارة المدينة وما لا يستحق سوى الإهمال والتخريب، ويتحكم أيضا فيما يصح أولا يصح إقامته من طقوس أو احتفالات جمعية يمارسها سكان المدينة في حيزاتها العمرانية العامة. هذه السياسات التي تجمع ما بين التحكم فيما هو مادي ملموس وما هو معنوي غير ملموس تعمل في مجملها على تشكيل جوانب لا يمكن الاستهانة بها من المجال العام الذي يتفاعل من خلاله سكان المدينة، وبالتالي على تشكيل وجدانهم وهويتهم


وإذا تتبعنا التاريخ العمراني لمدينة الإسكندرية الحديثة منذ أن ازدهرت على يد الوالي محمد علي باشا وحتى اليوم، نستطيع أن نقسم هذا النوع من سياسات التعامل مع العمران الواعية لتفاعل “العمران-الذاكرة” إلى ثلاثة فترات تتزامن في الحقيقة مع التغيرات في الساحة السياسية المصرية. الحقبة الأولى هي حقبة الأسرة العلوية خاصة منذ عهد الخديو اسماعيل الذي كان أول من أقام تماثيل في الميادين العامة بالقاهرة والإسكندرية لترسخ تاريخ الأسرة في الحيزات العامة، فكان تمثال جده محمد علي باشا بميدان المنشية هو الأول من نوعه الذي يقام في مدينة تنتمي إلى العالم الإسلامي. ونستطيع أن نحلل طبيعة الصراعات السياسية المعقدة بين سلطة القصر وسلطة الاستعمار ونفوذ الجاليات الأجنبية وأيضا التيارات والأحزاب السياسية الفاعلة في ذلك الوقت (الذي ترسخت فيه الأفكار النهضوية والقومية المصرية) من خلال رصد وتحليل التماثيل والأضرحة وأسماء الشوارع والميادين في الإسكندرية


 أما الحقبة الثانية، وهي الحقبة الناصرية، فقد أولت اهتماما بالغا بهذا النوع من إدارة العمران، فحرصت على استبدال كل ما يمكن أن يذكّر أو يرمز إلى فترة حكم الأسرة العلوية بالمدينة برموز “ثورة يوليو” وما يدعم شرعيتها من أسماء وأحداث تاريخية. فأصبح النصب التذكاري «للخديو اسماعيل» هو نصب «الجندي المجهول» و«فكتوريا كوليدج» أصبحت «كلية النصر»، وميدان «محمد علي» أصبح ميدان «التحرير»، وشارع «توفيق» صار شارع «عرابي»، وهكذا. وصاغ نظام ناصر نسخة معدلة من التاريخ كانت المدينة نفسها وسيطا في ترسيخها لدى العامة ضمن مشروع محكم استهدف ذاكرة المصريين بذاكرة جديدة (أو “ذاكرة مضادة” كما يطلق عليها ميشيل فوكو). كما تسببت سياسات عبد الناصر الاشتراكية ذات المفهوم الضيق لفكرة الوطنية بشكل مباشر وغير مباشر في رحيل جماعي للجاليات ذات الأصول غير المصرية عن الإسكندرية، وفي المقابل توافدت على المدينة أعداد هائلة من سكان أقاليم مصر الأخرى، ومن ثم، ومع هذه التغيرات الديموغرافية المفاجئة، لم تتوفر الظروف المناسبة لنشأة تلك الأواصر التي تربط بين قطاعات كبيرة من سكان المدينة وبين حيزاتها العمرانية والتي لا تتحقق إلا عبر فترات زمنية طويلة من التفاعل المتبادل


أما الحقبة الثالثة التي امتدت منذ بداية السبعينيات وحتى بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فهي حقبة “الانفتاح” وشرعية “أكتوبر”، والتي اهتمت فيها السلطة لفترة وجيزة في السنوات الأولى لحكم السادات بفكرة الذاكرة والعمران أقامت أثنائها نصبا تذكاريا لحرب أكتوبر بميدان «الجمهورية» (محطة مصر سابقا)، وأزالت أو تعمدت اهمال بعض رموز الناصرية (مثل مبنى الاتحاد الاشتراكي الشهير) في سبيل تحقيق “ذاكرة مضادة” جديدة، قبل أن تفقد اهتمامها تماما بالفكرة، تاركة المدينة تتشكل بواسطة رؤوس الأموال الجديدة الوافدة على المدينة دون تدخل يذكر من الدولة التي زهدت أيضا في أفكار الحفاظ العمراني والتراث. ليبدأ وجه المدينة في التحول السريع الذي لم يتوقف لحظة حتى الآن


لقد تركت هذه السياسات المتناقضة أثرها البالغ على علاقة سكان الإسكندرية بمدينهم وشوارعها وعمارتها الفريدة. وزادت حدة المشكلات الاقتصادية وتعقيدات البحث عن الرزق من انصرافهم عن الاهتمام بشأن المدينة وتراثها. والسؤال الآن إذن كيف يمكن من الأصل أن يتم الحفاظ على أبنية تاريخية في مجتمع أغلبه قد لا يعتبرها تراثا يستحق الحفاظ بعد كل هذه التحولات السياسية والاجتماعية؟

لقد حققت بعض الجهود الداعية للحفاظ على تراث المدينة بعض المكاسب في العقد الأخير من القرن العشرين عندما حاول عدد قليل للغاية من المتخصصين أن يقفوا في وجه التحول العمراني، وعلى رأسهم جاء د. محمد عوض ليضع لأول مرة قائمة للتراث العمراني بالإسكندرية أتمها عام 1999، ونجح بعدها في اقناع محافظ المدينة بتطبيقها كقائمة للمباني المحظور هدمها في المدينة مستفيدا من قانون الحاكم العسكري في ذلك الوقت الذي حظر هدم “الفيلات التاريخية”. ثم أقرت الحكومة قانونا “للحفاظ على التراث المعماري” عام 2006 به ما يكفي من عقوبات (وثغرات) وتحددت بعده قائمة جديدة لتراث يحظر هدمها. فهل نجح كل ذلك في الحفاظ على “تراث” المدينة؟ لا شك أن هذه الإجراءات قد أبطأت بعض الشيء من وتيرة الهدم والتحول، لكنها لم توقفه بأي حال من الأحوال. لقد أثبتت التجربة أن القوانين مهما بلغت صرامتها لن تقنع أحدا بأن ما يمتلكه من مبان تاريخية هو تراث قيّم عليه أن يحافظ عليه ليبقى لأولاده وأحفاده. لقد هدمت مبان رائعة وهامة كانت مدرجة في القائمة الأولى وفي الثانية ولم يترك المُلاك والمستثمرون وسيلة أو حيلة أو ثغرة قانونية أو حجة دستورية أو ظرفا سياسيا استثنائيا إلا واستغلوه في هدم المزيد والمزيد من هذه المباني


الأمر إذن مرهون بأن يشعر سكان المدينة نفسهم مرة أخرى بقيمة هذا التراث الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبالتالي بتبعات خسارته. ومطلوب منا جميعا كمهتمين أو متخصصين أن نعمل على سد الفجوة بين سكان المدينة وتراثهم المفترض بكل السبل الممكنة. وعلينا أن نذكر أجهزة الدولة  بفداحة ماتسببت فيه سياسات الحقب الماضية وأنها الآن معنية - رغم ترهلها ومشكلاتها العاجلة والمزمنة - ببناء ودعم هذا الوعي إذا أرادت أن تحافظ على ما تبقى من المدن المصرية

6 October: city of transient residents


٦ أكتوبر؛ مدينة العابر المقيم
احمد ناجي

هناك مخيمات للاجئين، منازل إيواء للمهاجرين، لكن كيف يمكن للاجئين والمهاجرين أن يؤسسوا مدينة. لقد كنت محظوظاً حيث أعيش في واحدة تدعى مدينة “6أكتوبر”. هي بامتياز مدينة اللاجئين والمهاجرين من مدن آخرى داخل مصر ومن خارجها


تحمل أغطية البلاعات في 6 أكتوبر تواريخ متفرقة من سنوات الثمانيات، مما يدل على أن أعمال البنية التحتية بدأت في المدينة في تلك الفترة بغض النظر عما تقوله الأوراق الرسمية. بعد وضع أغطية البلاعات بعقد من الزمن بدأت نواة المدينة السكانية في التشكل مع منتصف عقد التسعينات وبداية الألفية حيث افتتحت فيها أكثر من جامعة خاصة


مثل الطلبة النواة الأساسية لسكان المدينة، معظمهم من محافظات مختلفة من مصر وطلبة عرب منحتهم الجماعات الخاصة الفرصة لتحقيق أحلام الطبقة الوسطى في الحصول على شهادة في الطب أو الهندسة وحتى إن لم تكن درجاتهم في الثانوية العامة كافية، ظهر العمال أيضاً في الأحياء الشعبية للمدينة حيث يعملون في المنطقة الصناعية. لكن أماكن تركز الطلبة والعمال ظلت في أحياء محددة معظمها ذات نمط معمارى واحد انشأته الدولة. لكن الموجة الأهم كانت بعد حرب العراق الأخيرة حينما تزايد عدد اللاجئين والهاربين من الحروب الطائفية والتفجيرات في العراق


وضع جهاز المدينة مجموعة من الشروط التي تحكم الأبنية والبناء في أكتوبر، فهناك معيار محدد لعدد الأدوار في كل حى، ويتدخل الحى في حالة مخالفة شروطه وإزالة الطوابق الزائدة، لدى الجهاز أيضاً قائمة بالألوان التي يمكن استخدامها في طلاء المنازل والبنايات من الخارج، بالتالى فمساحة التغيير والتعديل في عمارة المدينة تظل محدودة بشروط الدولة المصرية


لكن مع الحرب أضفي العراقيون على المدينة الكثير من محلات الطعام العراقي والخبز العراقي، ارتفعت الإيجارات بشكل ملحوظ لكن لم يعرب أحد عن ضيقه، اللاجئون القادمون للمدينة ليسوا كلاجئين المخيمات ولا يتسولون صدقة من أحد، بل جاءوا هاربين بكل ممتلكاتهم لتأسيس مدينة جديدة. ومثلت موجات العراقيين ثم السوريين بعد ذلك أوقات انتعاش لاقتصاد المدينة، تكرر مع الموجة السوريا التى بدأت منذ حوالى سنة. الشارع الذي أسكن فيه منذ حوالى أربع سنوات أصبح يمتلئ بالمحلات ذات اللافتات السوريا، الجزارة الشامية، مخبز دمشق، حلويات حلب، وأخيراً مطعم الجنانى. اختفت من الحى الثانى تقريباً جميع اللافتات المصرية حتى أصبح المكان كأنك تعيش في جيتو سورى صغير


عدم وجود هوية للمدينة سهل على اللاجئين والمهاجرين استدعاء ذكرياتهم ومدنهم التي تركوها لإحلالها في الفراغ “الأكتوبري”. وضع مطعم الجنانى لافتة كتب عليها “فرعنا الأساسي دمشق ميدان دوار باب مصلى، فرعنا الثانى مصر الحنونة 6 أكتوبر”  يقدم المحل الوجبات الشعبية فول وفلافل لكن بالطريقة السوريا حيث الاعتماد الأكثر على الحمص، بالتالى يأتي الفول والفلافل مختلف تماماً عما تعود عليه المصريون منذ أجيال طويلة. يعمل العاملون ومعظمهم سوريون في مطعم الجنانى أيضاً بالطريقة السوريا. فهناك معلم مسئول عن طاسة الزيت وآخر يتولى عملية تغليف السندوتش وآخر يشرف بنفسه على وضع مكوناتها، ويرفض أن يمس أي من مساعديه الخبز أو مكونات السندوتش بل يتولون عملية التغليف فقط. وبدلاً من السلطة والطحينة التي تشكل الإضافات الوحيدة على السندوتش المصري. يتحرك المعلم السورى بين تشكيلة متنوعة من الإضافات تبدأ من المايونيز والثومية والطحينة وشرائح البطاطس مقطعة في أوعية منفصلة، وبالتالي يضاف إليك ميزة اختيار مكونات السلطة


ذات يوم وبينما كنت انتظر سندوتش من المعلم في واحدة من لحظات الذروة، تابعت حيرة المعلم ومساعديه وإصرارهم على اتباع نظامهم في العمل أمام الزحمة وتدافع الأيدى عليهم، كان العاملون يتحركون بتأنى بالغ في إعداد كل سندوتش الأمر الذي يستغرق وقتاً أطول وبالتالي يشعر الزبائن المحشورون في الزحام أمام الشباك بالضيق والتبرم ويبدأون في الصياح مطالبينه بالأسرع. ظهر وسط الزبائن شاب عراقي أخذ يراقب المعلم السورى لدقائق ثم خاطبه بلهجة مصرية ذات مخارج حروف عراقية “يا معلم مش هينفع هنا في مصر الشغل دا، مش لازم تعمل كل سندوتش بنفسك، هنا الدنيا زحمة”


كان العراقي ينقل له في جملة بسيطة جانب من خبرته التي اكتسبها من سنوات إقامته للمعلم الحائر الذي يبذل جهداً في الحديث مع الزبائن باللهجة المصرية. تبدت لى الروح الجديدة للمدينة التي عرفتها منذ أن كانت مساكن خاوية. روح قلقة لكنها ساكنها تبحث عن إقامة وتبنى مدينة لا تعرف هل تكون مدينتها بقية حياتها أم يكون للعودة موعد قريب


أعداد السوريون في 6 أكتوبر، تتجاوز تلك التي عرفنها مع العراقيين، وبينما كثير من العراقيين استغل 6أكتوبر كمحطة في تغريبة طويلة، يبدو السوريون مطمئنين أكثر للمدينة، يشترون البيوت ويتوغلون في قطاع العقارات، يفتحون المحلات ويعقدون شراكات طويلة مع آخرين مصريين، أمام محلاتهم يمدون النجيلة الخضراء المزروعة، لمسات السورى في فراغ المدينة تبدو واضحة، يتعاملون براحة كبيرة مع الفراغ، حتى مؤخراً في المناسبات الدينية أصبحوا يغلقون بعض الشوارع وينصبون مسرح في الشارع تغنى عليه فرقة حلبية موسيقي شرقية تراثية، يذهب الأطفال إلى المدارس ويكبرون عاماً في المدينة، ومن النافذة تأتى أصوات لهوهم تختلط فيها اللهجات مع بعض الكلمات الإنجليزية.. روح جديدة، وشيء ما يحدث هاهنا في 6 أكتوبر

Small but Significant Observations from our Everyday

ملاحظات صغيرة من شوارع كبيرة

ميشيل حنا

كان أبي يتهمني دوما بقلة الملاحظة. كلما عدت من المدرسة كان يسألني أسئلة مثل ما إذا كان مصباح مدخل العمارة مضاء أم لا، أو ما إذا كانت الشركة التي في الدور الأرضي لا تزال تفتح أبوابها، أو ما إذا كانت الضلفة الأخرى للباب الخارجي مفتوحة، وفي كل المرات كنت أرد بأنني لا أعرف


كنت دائما ما أسير وأنا أنظر تحت قدمي، وفي أفضل الأحوال أمامي، دون أن أهتم بأن أرى ما هو حولي
وكان يجب أن تمر سنوات عديدة حتى تنفتح عينايّ للرؤية، وكان يجب أن يحدث (شيء كبير) يجعني أستطيع أن أرى، وذلك عندما بدأ المقاولون في هدم الفيلات والعمارات الصغيرة في المنطقة التي أسكنها ليبنوا أبراجهم. عندها بدأت أرى. رأيت عقارات ضخمة تزال من الوجود وتتحول إلى ركام، وكان الأمر فادحا والثمن باذخا كي أستطيع أن أرى


ثم عندما رأيت الكبير بدأت أنتبه إلى الصغير، وصرت أنظر حولي وفوقي أيضا. صرت أعرف شكل الزخارف في عمارة الجيران وعدد الأشجار وأنواعها في الشارع. أتذكر أين توجد اللافتة التي تحمل اسم الشارع ومكان الحجر الناقص من أحجار الرصيف. إذا تغير موضع أي شيء من هذه الأشياء سأعرف، لأنني أنظر صرت أنظر حولي

إنها ملاحظات صغيرة من شوارع كبيرة


إنهم يذبحون الأشجار

منذ قيام ثورة 25 يناير، دخلت معظم أجهزة الدولة في حالة من البيات الشتوي، وانسحبت كل الأجهزة التنفيذية والرقابية إلى حالة من السبات الطويل، تاركين الفوضى تضرب في الشوارع، كل شخص يفعل ما بدا له بلا وازع أو رادع


من أبرز ملامح هذه الفوضى هي حالات الاعتداء على الأشجار، والتي يقودها أصحاب المحلات والشركات والعيادات وكل من له لافتة تجارية يريد لها أن تظهر من جميع الجهات، فيستأجر شخصا بسُلَّم وبلطة يقوم بالقضاء على أقرب شجرة في دقائق معدودة. تنتشر هذه الظاهرة وتستفحل في كل الشوارع المصرية في كل المناطق، حتى أننا خسرنا ما يقرب من نصف المساحات الخضراء داخل المدن خلال العامين الماضيين


الصورة الأولى ملتقطة منذ بضعة أشهر، الصورة الثانية ملتقطة منذ بضعة أيام، وما بين الصورة الأولى والثانية هناك خسارة فادحة لا تعوض، سبعون عاما من النمو الخضري ضاعت بضربة فأس واحدة

المكان: شارع السيد أبو شادي، مصر الجديدة


العطفة

كان مصمم الشوارع القديم يحرص على أن يجعل مدخل الشارع منحنيا، ليمنح خصوصية لسكان الحارة أو العطفة. ربما لهذا السبب أسموها عطفة، لأنها تنعطف بالسائر فيها. لا نستطيع هنا ونحن نقف على أول العطفة أن نرى شيئا من تفاصيلها، ربما باستثناء أول بيتين فيها، لكن نظرنا لا يستطيع أن يكشف أكثر من هذه المسافة القصيرة


كان الناس قديما يمارسون الكثير من الأنشطة خارج البيت أو أمامه، فهنا يلعب الأطفال ويلهون، وقد تمارس النساء بعض مهام الطبخ إذا كان البيت ضيقا، بينما يجلس الرجال أمام البيت ليلا طلبا لنسمات الهواء.
من أجل كل هذا كان يجب عندما يمر شخص مثلي أو مثلك ألا يصل مدى بصره أكثر من هذه الأمتار القليلة

المكان: درب سنجر، حي الخليفة


الفوضى غير الخلاقة

كأن اندلاع ثورة 25 يناير كان شرارة لبدء تعدي الناس على الشوارع
نرى هنا القهوة وهي تحجز جزءا من الشارع بكراسيها وبصندوق القمامة وبالموتوسيكل. ممنوع صف السيارات هنا بأمر أصحاب القهوة، فحين يأتي المساء سيجلس مرتادو المكان يدخنون الشيشة بعرض الرصيف والشارع تاركين – تفضلا منهم – ممرا ضيقا في الشارع لمرور السيارات


يمكننا أن نرى المحل المجاور أيضا وقد حجز أصحابه مكانا عن طريق وضع حجر كبير في الشارع


هذا المنظر القبيح صار متكررا بشكل كبير في كل شوارعنا. لم يعد أحد يخاف من شرطة أو يخشى من مخالفة أو يعمل حسابا لرجال الحي. صار الشارع ملكا لمن يملك ذراعا يضع به حجرا أو أخشابا أو إطار سيارة قديم أو كرسي يحجز به المكان، والويل لمن يعترض

المكان: شارع عثمان بن عفان، ميدان سفير

مرزباخ

لفت الاسم انتباهي بشكل كبير. مرزباخ؟! لم أهتم كثيرا بمعرفة من هو كمال الشافعي صاحب الشارع الجديد، لكن غرابة الاسم دفعتني للبحث عن صاحبه

جورج مرزباخ (1876 - 1936) كان محاميا بلجيكيا ورئيسا لإحدى المحاكم المختلطة في مصر، ونقيبا للمحامين في إحدى الفترات، وهو أيضا مؤسس نادي الزمالك، كما ساهم في تأسيس مستشفيات وملاجيء كثيرة. ولعل سر تسمية أحد شوارع مصر الجديدة باسمه هو أنه كان مستشارا قانونيا للبارون امبان شخصيا، وقد كان الرجل حجة قانونية لدرجة أن الملك فؤاد نفسه كان يلجأ إليه أحيانا، وقد أنعم عليه سلفه السلطان حسين كامل بلقب البكوية إضافة إلى أوسمة ونياشين

يثور هنا سؤال: لماذا يصر القائمون على الأمور دائما على تغيير أسماء الشوارع باستمرار، ماحين جزءا كبيرا من تاريخنا وذاكرتنا؟ ماذا كان يضير الشارع لو ظل محتفظا باسمه القديم الأصلي؟

المكان: ميدان سفير، مصر الجديدة



العمود

من النادر جدا أن نرى عمودا مثل هذا اليوم في الشوارع المصرية

هذا العمود ينتمي إلى أحد الأجيال الأولى من عواميد الكهرباء، حين كان يتم صنع العواميد من جذوع الأشجار المشذبة


دخلت الكهرباء إلى مصر للمرة الأولى عام 1895 بواسطة الشركات الخاصة. في البداية بواسطة شركة تدعى “شركة ليبون لإضاءة شوارع القاهرة والإسكندرية”، والتي ظلت تحمل امتيازا لمدة خمسين عاما، بعدها تم تسليمها إلى وزارة الأشغال والطاقة المصرية. كانت أول محطة كهرباء على الإطلاق هي محظة كرموز بالإسكندرية، وكان أول مشترك يحصل على الكهرباء في مصر هو مكتب المحامي مانوزدي الذي يقع في 5 شارع صلاح سالم بالإسكندرية

استمرت الشركات الخاصة تقدم خدمة توليد الكهرباء في مصر حتى عام 1962 حين تم تأميم جميع شركات الكهرباء وصارت الخدمة تقدم بواسطة الدولة

لا نعرف ما إذا كانت بقايا الأسلاك بالأعلى لازالت مستخدمة فعلا، أم أنها بقايا منسية، تركت إهمالا أو كسلا أو للذكرى الخالدة
 

المكان: حي الخليفة، بالقرب من جامع بن طولون


 التاريخ من موقع ويكيبيديا، بينما يذكر موقع جهاز تنظيم مرفق الكهرباء أن التاريخ يعود إلى 1893

مدخل الخدم

في مدخل إحدى عمارات المنشية القديمة بالإسكندرية، رأيت هذا الباب الذي يحمل لافتة بخط الرقعة تقول أنه: مدخل الخدم


عمارات المنشية القديمة المبنية في أواخر القرن التاسع عشر، بكل عظمة نقوشها وزخارفها وتقاليدها المعمارية، كانت مبنية لطبقة أرستقراطية من الملاك الذين لا يستغنون عن الخدم، وبالطبع لا يصح أن يصعد الخدم على السلم الذي يصعد عليه الملاك، لذا في معظم العمارات التي بنيت في تلك الفترة - والفترة التي لحقتها – كان المصمم يحرص على بناء سلم منفصل ليستعمله القائمون على الخدمة


قد تبدو لنا لغة هذه اللافتة اليوم صريحة وصادمة، لكن لعله لم يكن هناك حرج من كتابة عبارة كهذه لأن الخدم – في الأعم الأغلب - لا يقرءون! كان هذا في عصر تسمى فيه الأشياء بأسمائها، حين كان يسمى الخدم خدما

المكان: المنشية، الإسكندرية

The incompetent, the opportunist and the ignorant

image

العاجز و الانتهازي و الغافل

كتابة ادهم سليم


النهاية
دفعت القوات المسلحة السبت بعدد من وحدات الإنقاذ التابعة لها للمساعدة فى إخراج الضحايا والناجين فى حادث الانهيار الصخرى الذى وقع صباح السبت بمنشية ناصر”
 -  جريدة اليوم السابع, السبت الخميس 6 سبتمبر 2008 -

ومع استمرار محاولات تفتيت الصخرة العملاقة التي انهارت فوق سكان قرية عزبة بخيت السبت الماضي انعدمت الآمال تقريبا في العثور على أحياء
  -  بي بي سي عربي صباح الخميس 11سبتمبر2008 -

على الرغم من تراجيديا المشهد البادية على وجوه أهالي الضحايا , كانت محاولات تفتيت الصخرة جنونا يثير الضحك أكثر من الرثاء , من فرط هزلية الموقف تحرك صانع القرار للدفع بالآلاف من عسكر الأمن المركزي و الجيش لخشبة المسرح في منشية ناصر , مجاميع في عرض مسرحي تتقدم لتقيم كردونا أمنيا حول قلب خشبة المسرح لتمنع عدسات المصورين , لكنك لا تعجز عن العثور على الضحك في قلب هذا الجنون : في قتامة مسرحية يجلس المشاهدون من خلف زجاج سياراتهم المكيفة يشاهدون ما تبقى من فصول المسرحية في آداء فواييري لا يقل غرابة عن المسرحية نفسها , ينتظرون حقنة أخيرة من الإثارة في رحلة رتيبة بطول الأتوستراد , و فرصة لمهاترات و نقاشات عدمية في السياسية و الهندسة و ربما الفن أيضا حول أسباب و ملابسات و تبعات سقوط الصخرة  , مادة ممتازة لصنع المزيد من ساعات المشاهد التلفزيونية .
"النقض تلغي حبس 5 مسؤولين بمحافظة القاهرة في قضية انهيار صخرة الدويقة […] وكان دفاع المتهمين قد حمّل سوزان مبارك، زوجة الرئيس السابق، مسؤولية وقوع الكارثة، لقيامها بإنشاء وحدات سكنية بمنطقة الدويقة دون عمل صرف صحي لها، مما تسبب في قيام الأهالي بتصريف مياه الصرف على جبل المقطم، مشيرين إلى أن الكارثة من الممكن أن تتكرر"

-  جريدة المصري اليوم, الثلاثا21 مايو 2013 -

قصاصة من جريدة
"يتصور من يستمع للمدافعين عن استثمارات الشركات العقارية الكبرى أن مسألة السكن فى مصر قد انتهت أو على الأقل فى طريقها للحل. يتحدث أنصار «رسالة العمران» عن تخضير الصحراء وعن أراضٍ مهجورة لم يكن لها سعر قبل أن تحولها الشركات إلى مدن عامرة. وينسى هؤلاء، أو يتناسون، حقيقة واضحة كالشمس فى مصر: المصريون محرومون من السكن"
- وائل جمال, جريدة الشروق, عدد الثلاثاء 28 سبتمبر 2010-

فاصل إعلاني
بعد ثماني سنوات من الخطوبة يشترك العروسان المحتملان في مليونية الرسائل القصيرة أملا في الوصول إلى السحب الذي يؤهلهما للفوز بشقة من ثلاثين شقة يقدمها البرنامج التلفزيوني الشهير في شهر رمضان . مليونية الرسائل القصيرة تتم في فضاء غير مرئي من الإشارات اللاسلكية , لا يدرك العروسان أنه بجوار رسالتهما تطير ملايين الرسائل الأخرى القادمة من عشوائيات تقع على تخوم الحضر لتستقر في إحدى غرف الكونترول في مدينة الإنتاج الإعلامي , كل الرسائل تهتف بالكلمة المفتاحية المتفق عليها أملا للفوز بشقة من الشقق الثلاثين في عمارة سكنية في مكان ما من الصحراء المجاورة .
ينظر موظف غرفة الكونترول إلى عداد الرسائل و يرسل نظره خلف الصحراء المجاورة و يكتب الكلمة المفتاحية استعدادا لإرسالها

المشهد الأول
أزمة الإسكان حقيقة يمكنك أن تراها في كافة تفاصيل حياة المصريين , و لن يتردد أي مصري أيا كانت خلفيته المهنية أو الدراسية في أن يتحدث إليك عن رؤيته لأسباب الأزمة و حلولها , هي حاضرة طوال الوقت في كل تفاصيل حياة المصريين بدرجات متفاوتة من العمق و التسطيح , إلا أنك ستفاجأ بأن المكان الوحيد الذي تبدو فيه أزمة الإسكان غير موجودة هو نفسه المكان المنوط بوضع التصورات لحلها : الأكاديميا المعمارية الرسمية التي تبدو منشغلة بأمور من فرط هامشيتها تبدو هي الأخرى كما لو كانت تخصصاً جديداً يقع بين رسوم الجرافيكس و الخيال الأدبي حيث يقضي الطلبة أهم سنوات انتاجهم الأكاديمي في تصميم مبان خيالية تناقش قضايا غير واقعية في مدن تخيلية لا وجود لها و يصاحب ذلك ديباجة أدبية تعرف بـ “الفكرة التصميمية” أو “الكونسبت” الذي عادة ما يكون تبريرا أدبيا لغرائبية الصورة , و يتم تقييم هذه المشروعات الخيالية أكاديمياً بناءا على جودة إخراجها البصري الذي يتم عادة باستخدام تقنيات جرافيكية للمحاكاة و النمذجة مشابهة لتلك المستخدمة في إنتاج أفلام الرسوم المتحركة و الخيال العلمي
 

في سلسلة من المقابلات المصورة أجريتها بمساعدة عدد من الزملاء في 2005 أظهرت إجابات عينة عشوائية من الجامعيين أن نسبة كبيرة من متعلمي هذا المجتمع لا يدركون ما هو المنوط بالمعماري عمله تجاه مدينتهم , و أتساءل الآن عما إذا كان المعماريون أنفسهم يعرفون العمل المنوط بهم

الكواليس
خلال السنوات الخمس الماضية , كانت العشوائيات مثارا لأحاديث و أحداث معظمها يتناول العشوائيات من منطلق كونها حلّاً . معماريون و عمرانيون ممارسون و أكاديميون في مشهد مواز تدور أحداثه بين وسط البلد و مصر الجديدة يديرون حلقات مفرغة  من النقاش حول عبقرية العشوائيات , فوتونات تنطلق من فوهة الـبروجيكتور في ظلام قاعات الندوات بسيول من المعلومات و الإحصاءات تضفي طابعا موضوعيا على العرض , يليها حلقات نقاشية أو صدامية تبدو كما لو كانت مخاضا لميلاد عهد جديد نفهم فيه جمال الشوائب و عبقرية النقص

ثمة تحول يدور في كواليس المشهد الأكاديمي الرسمي , دعوة لمفارقة الكنبة و التشمير و النزول لمعمعة العشوائيات بحثا عن الحل , و في نفس الوقت ثمة إنبهار سطحي يمكن ملاحظته في أغلب الطروحات , انبهار نابع من حداثة عهد الطبقة المتوسطة و معرفتها المفاجئة بوجود العشوائيات , عشوائيات الحضر ظاهرة حديثة نسبيا في عمر أغلب مدن ما بعد الاستعمار , و بالنسبة لباحثي السبعينيات و الثمانينيات لم تكن العشوائيات على نفس القدر من الإلهام مقارنة بما هي عليه الآن , فضلا عن أنها بالنسبة لأولئك الذين عاشوا فيها أو عاصروها بشكل مختلف ليست بالضرورة على نفس القدر من الجاذبية

تكمن جاذبية الحديث عن العشوائيات عند جمهور الأكاديميا الموازية في كونها موضوعاً آتياً من خارج السياق الأكاديمي الرسمي المهتم بجماليات الصورة , بينما يغفلون هم و نشطاء المشهد الموازي أن خطاب العشوائيات هو بمثابة “استشراق” الطبقة المتوسطة لفهم ذلك “الآخر” من الطبقات الأدنى . العشوائيات هرطقة طريفة لم يتحدث بها كثيرون من قبل و لن تتلقي عنها محاضرة في أثناء دراستك الأكاديمية , و هي أيضا فرصة جيدة لإثبات التفوق في سباق دؤوب للترقي الاجتماعي و هي ما يمكن أن يخلق موضوعا جديدا يمكنك أن تحصد به وجاهة أكاديمية مؤقتة .  العشوائيات بلا شك ستجعل حديثك شيقا في سياق يقتله الضجر من السفسطة حول نظريات لا مجال لتطبيقها هنا , العشوائيات هي ما يجعلك تبدو مجددا رافضا للتقليد , فضلا عن كونها مسحوق تجميل أكاديمي يأتي في غلاف فيلانتروبي يميزك عن غيرك من رواد التاون هاوس

الحل هو الحل
حقيقة الأمر أن العشوائيات بالفعل ملهمة , ليس لكونها “الحل” و لكن لكونها وطنا للأغلبية . غالبية سكان العالم بحلول العام الماضي انتقلوا من سكنى الريف لسكنى عشوائيات الحضر , كانوا يسبحون نحو المدينة في قوارب هي نفسها قراهم التي نزحوا منها , هي نفسها مشاكلهم التي هربوا للمدينة طلبا لحلها فإذا بهم يرسون بقراهم على شواطيء المدينة القاحلة , تسحقهم المدينة فينتهي بهم الحال في تجمعات ضخمة تعاني من ندرة الغذاء و الطاقة و الخدمات , تسبح فوق محيط من مياه الصرف , لا تقوى أعتى الأجهزة الأمنية على تأمينها . هؤلاء هم بالفعل الأغلبية

العشوائيات ليست حلا , لأنها كما هي تراكم للفطرة الإنسانية , هي أيضا تراكم للحدس الإنساني البدائي في توظيف القيمة . العشوائيات بالتأكيد نموذج مبهر في إفرازها للعديد من أنماط التعايش و آليات الاجتماع البشري  . لكن أحدا لم يسأل عن طبيعة هذا التعايش , فالعشوائيات تعرف تنوعا اجتماعيا و طبقيا ربما لا تعرفه المجتمعات المخططة . هناك أغنياء , مثقفون , و عاملون بالجهاز الحكومي يسكنون العشوائيات , لكن العشوائيات أيضا تعرف تشوهات مدمرة لبنية هذا التنوع . يمكننا الوقوف على أثرها إذا ما أدركنا أن الملايين الذين يسكنون العشوائيات يتكلمون بنفس اللهجة أيا كان الإقليم الجغرافي الذي ينتمون إليه (تشتشة حرف التاء كمثال : ياختشي , قولتشلك , إلخ) و يستهلكون نفس أشكال التعبير الفني (المهرجانات و موسيقا الدي جي الشعبي ) التي هي بالأساس امتداد لقنوات البث الذكوري الذي يؤسس للتشوه البنيوي في المجتمع المصري في عمومه

العشوائيات تعرف نمطا بديلا لإنتاج العمران , لكن أحدا لم ينتبه إلى أن البراجماتية هي الفضيلة الأصيلة للعشوائيات بنفس قدر كونها الفضيلة الأم التي أنتجت فكرة تخطيط المدن بالأساس , بل أن منطق القيمة في العشوائيات يعتمد في كثير من الأحيان على آليات هي نفسها آليات السوق التي أنتجت القيمة في المدينة المخططة (القرب من وسائل المواصلات و شرايين الحركة , القرب من أحياء مخططة , إلخ). و قد يبدو من المثير للجدل أن العشوائيات في إعادة انتاجها لمفهوم الأمن كانت أكثر قسوة حتى من أعتى المدن المسورة . هي فقط نسخة رثة لما تقدمه تلك المدن المسورة في تعبيرية المواد , و في ظل إعجاب سطحي بنموذج اجتماعي مغاير غابت حقيقة أن العشوائيات أقل عنفا فقط لأنها تعرف هيكلا أمنيا أكثر عنفا و قمعا من غيرها (راجع جرائم القتل و التمثيل بجثث الضحايا التي حدثت في أجواء احتفالية في عشوائيات عدد من المدن المصرية مؤخرا)

يجب ألا يفهم هذا الطرح على أنه إدانة للعشوائيات أو قاطنيها و لن ينتهي بالمطالبة بإزالتها من الوجود , بالعكس أرى أن العشوائيات نجحت في كثير مما فشلت فيه المؤسسة الرسمية للدولة , و أرى عند قاطنيها مفاتيح لحل الكثير من الأزمات التفصيلية لإدارة التنمية. المجتمع المصري بوجه عام يتمتع بقدرة هائلة على القيام بتلبية الخدمات و الاحتياجات الأساسية بشكل ذاتي دون انتظار الحكومة كي توفرها له , بدءا من أعمال النظافة العامة و الإنارة و التشجير و غيرها , لكن يجب أن نعي أيضا أن الإنبهار بالعشوائيات هو انبهار من ديناميات النموذج السياسي / الاجتماعي البديل الذي تطرحه في مجتمع يعاني من مشاكل المركزية , و لكنها كما هي تمثيل للخبرة الإنسانية في ظاهرة إنشاء المجتمعات فهي أيضا في نطاقها المحلي إعادة إنتاج لنفس مشكلات محيطها , و هي تمثيل فج للعلاقات البدائية بين المال و النفوذ و السطوة من ناحية و بين إدارة هذه المجتمعات من ناحية أخرى . هي فقط بديل مبهر من حيث كونها وسيلة و لكنها ليست بديلا من حيث النتيجة التي ستؤدي إليها

استفاقة
في ظل القصور الحكومي في التعامل مع واقع أزمة الإسكان بالشكل الذي ينذر بكوارث لن يكون آخرها إنهيار صخرة المقطم , و في ظل غياب الشعور بالمسؤولية الاجتماعية عند القطاع الخاص الذي يرى في أزمة الإسكان فرصة لانتاج المزيد من المجتمعات المسورة في صحراء القاهرة أو في أحسن الأحوال يرى أزمة الإسكان مسابقة للرسائل القصيرة للفوز بشقة يتنافس عليها الملايين , و في ظل المشهد الأكاديمي الرسمي المغيب , و عقم المشهد الأكاديمي الموازي , تظل العشوائيات نموذجا دراسيا لفهم النظم الاجتماعية و العمرانية التلقائية و المتولدة , لكنها ليست نموذجا قياسيا يمكننا اعتماده كخطة لمستقبل العمران في مصر . نعم يمكن للعشوائيات أن تكون دليلا مفيدا لفهم آليات السلوك الجمعي في أطر محلية يمكن توظيفها لحل المشكلات , لكن يجب أن يكون هذا الحل ضمن رؤية شاملة للتنمية يشترك فيها المدير [الدولة \ الحكم المحلي] و الممول [القطاع الخاص] و المخطط [الأكاديميا الرسمية و الموازية] و العميل [المواطن].  ـ