Cairobserver — Concepts in city branding

Concepts in city branding

image

بقلم: د. علي عبد الرءوف

أستاذ العمارة ونظريات العمران

التركيبة السحرية لمذاق مشروب الكوكاكولا لم تكتشف بعد" كان هذا هو نص الخبر الذي تناقلته وكالات الإنباء العالمية بعد انتشار إشاعة الوصول الى سر التركيبة للمشروب الذي أسر العالم وغير مفاهيم الاقتصاد والإعلان ومخاطبة الجماهير والتسويق. المثير أن المشهد العمراني المحلي والإقليمي والعالمي المعاصر قد يرى فائدة كبرى في التعلم من تجربة الكوكاكولا ليس فقط كتركيبة مذاق سحري ولكن كإستراتيجية تسويق متنوعة وديناميكية وشديدة الفعالية في عصر التنافسية المحمومة التي امتدت لتشمل مدن العالم .والواقع أن خلق شخصية تسويقية للمدينة هو مفهوم هام ويصعب استيعابه وتفسيره في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من انه مفهوم جديد ولكنه أصبح حتمي التطبيق لأي مدينة تسعى للنمو والتطور في العالم المعاصر. ولو نظرنا مرة أخرى إلى تجربة كوكاكولا فإننا نندهش من أن حتى شكل الزجاجة أصبح علامة مميزة يتعرف عليها المستهلك حول العالم. المدن أيضا يمكن أن تكون انطباعات بصرية ذهنية تميزها عن مدن أخرى بالتركيز على ما تملكه وبالتخطيط لإضافة أبعاد جديدة لشخصيتها المعمارية والعمرانية.

image

من هي مدينتك؟

بداية أشرك القارئ في الأطروحات النظرية الأكثر معاصرة التي أسست لحقبة جديدة في تفسير نجاح المدن ومن أبرزها الفكر التنموي الذي صاغه المخطط والباحث في مجال دراسات التنمية ريتشارد فلوريدا (Richard Florida) الذي أسس لحقبة جديدة في تاريخ المدن ومناهج تخطيطها وأساليب نموها فمشروع فلوريدا الفكري بدأ بكتابه المعنون نشأة الطبقة المبدعة" والذي نشر عام 2002 (The Rise of Creative Class) وتناول فيه طرحا جديدا لفهم نسيج المجتمع الإنساني في حقبة ما بعد العولمة فبالفعل العالم تجاوز تلك الحقبة وأصبح تواصل الأفكار والأسواق والاستثمارات وانصهار الحدود المكانية والجغرافية سمة غالبة تشترك فيها كل المجتمعات المتقدمة وكذلك المجتمعات الساعية إلى حياة أفضل.

وفي كتابه التالي من هي مدينتك" (Who’s Your City?) فقد تعمد فلوريدا أن تكون المدينة في العنوان بلغة العاقل بل انه يذهب إلى ابعد من ذلك عندما يضيف قرارا ثالثا إلى أهم قرارين يتخذهما الإنسان المعاصر في حياته بإجماع علماء النفس والاجتماع وهما المتعلقين بماذا يعمل؟ وبمن يرتبط؟ ويضيف فلوريدا قرار جديدا نابع من تداعيات مجتمع ما بعد العولمة، وهو قرار أين تقيم؟ والى إي مكان على خريطة العالم تنوي أن تختار وطنك الجديد؟ وهذا الطرح وثيق الصلة بظهور ما يسمى بالمواطن العالمي أو ما أطلق علي أيضا عمال المعرفة نسبة إلى قطاع جديد من أصحاب العقول المجددة المفكرة المبدعة التي تعتمد على مساهمتها في القطاع المعرفي أو بالأحرى مجالات الاقتصاد المعرفي كأساس لنجاحها المهني، وهذه الظواهر هي التي دفعت فلوريدا إلى أن يحذر من أن هروب الطبقة المبدعة والمثقفة من المدينة يؤدي إلى وفاتها تبعا لتعبيره.

image

هذا القطاع الجديد من المجتمع الإنساني يصيغ تصورا جديدا للعلاقة مع جغرافية المكان فهو يتجاوز الإبعاد العاطفية التي تجعل البعض يتمسك بموطنه الأول وتجعل قدرته على التحرك محدودة ومقيدة بنطاق جغرافي معين قد لا يتجاوز في بعض الأحيان عدة كيلومترات من مكان ميلاده ونشأته كما هو الحال مع قطاعات كبيرة من المجتمع العربي ، هذه الفئة الجديدة من المجتمع الإنساني شديدة الحيوية والديناميكية لها تطلعاتها وأمالها في المكان الذي تختاره وطنا وفضاءا لإطلاق العنان لقدراتها التجديدية والإبداعية في عصر الاقتصاد المعرفي والإبداعي الذي يتأسس على قيمة الأفكار، ومن ثم فان ظهور هذه الفئة ساهم في بلورة توجه جديد في الفكر التخطيطي والعمراني طرحته الأدبيات تحت عنوان التنافسية العمرانية التي دفعت كل مدن العالم اتلي تسعى إلى موقع متميز على خريطة عمران القرن الواحد والعشرين.

لم يعد قرار الهجرة أو الانتقال إلى مدينة أو دولة جديدة شرطه الوحيد العائد المالي الأوفر ولكن بالنسبة إلى عمال المعرفة أصبحت المنظومة الاقتصادية المكنية البيئية للمدينة هي المؤسسة لمجموعة المعايير الأكثر ملائمة لإيقاع عصر الاقتصاد المعرفي والإبداعي. ومنذ ظهور فكرة التنافسية العمرانية ظهر متتابعا معها الآليات والمناهج التي تتبناها المدن ومن أهمها سياسات تسويق المدينة للمساهمة في ترسيخ تواجدها على مسرح عالمي متنافس والإنسان له فيه حق اختيار غير مسبوق بسبب تعرفه اليومي بل اللحظي على كل ما يحدث في عالم اليوم الذي لم يصبح فقط قرية صغيرة كما سبق أن طرح، ولكنه أصبح عالم تفاعلي تعرف وتشعر فيه شعورا لحظيا بما يحدث فيه حتى لو على بعد الآلاف الأميال من مكانك المادي الفعلي. الأكثر راديكالية في سياسات تسويق المدينة ان يتم تحويلها الى ماركة أو شخصية تجارية تؤثر في وعي الناس وتحولهم من معجبين بها الى مناصرين لها ومدافعين عنها بل ومسئولين عن إقناع الآخرين بتكوين أفضل الانطباعات الفكرية والتخيلية عن المدينة. فالتسويق هو عملية البيع والشراء في إطار سوق معين أو بالأحرى الوظائف التجارية المتعلقة بتحويل المنتجات من المصنع الى المستهلك ، أما صياغة شخصية تسويقية مميزة لها قيمة رمزية كالماركات العالمية للمدينة فهي عملية تتطور في عدة مراحل أولها الوعي بالمدينة ولفت الانتباه إليها ووصولا الى الإيمان بها والدفاع عن مكانتها وقيمتها بحماس نرصده بوضوح في حوارات الناس عن مدن مثل باريس ولندن ونيويورك

image

التساؤلات الهامة إذن كيف تخلق المدينة شخصيتها؟ كيف تسوق المدينة نفسها؟ فلم يعد مثيرا للدهشة استعانة المدن بخبراء تسويق عالميين لصياغة الإستراتيجية التسويقية لمدينة ما ، وللإجابة نطرح أهم الاستراتيجيات التي يمكن إن تحقق رؤية المدينة لشخصيتها المتميزة وهي:

أولا: القدرة على استقطاب الأحداث والفعاليات الهامة ذات التأثير العالمي.

لم تعد المدينة المعاصرة تحاور سكانها وإنما تمتد لتحاور العالم في عصر ثورة الاتصالات والقدرة الغير مسبوقة على التواصل وجزء هام في هذا التواصل هو الانتقال إلى مرحلة استقطاب الأخر من خلال القدرة على استضافة أحداث فنية ورياضية وثقافية واقتصادية تعمق فكرة التواصل مع الأخر والرغبة في الانفتاح على العالم وتؤكد على القيمة العالمية للمدينة وتعيد صياغة عمرانها وعمارتها لتتمكن من لعب هذا الدور العالمي.

image

ثانيا: توظيف الرصيد المعماري والعمراني بشقيه التاريخي والمعاصر.

ما تملكه المدينة من تراث معماري وعمراني له قيمة هو أداة جوهرية لتسويقها إذا تم تفعيله بالحفاظ عليه أولا ثم بتقديمه لخبرات جديدة للتفاعل مع المكان من خلال إعادة توظيف هذا التراث كما فعلت مدن عربية مثل دمشق العتيقة وحلب في سوريا أو فاس ومراكش بالمغرب. وبنفس القدر من الأهمية فان ما سوف تملكه المدينة في مشروعاتها المستقبلية يلعب دورا حيويا في تسويقها فالواقع أن العمارة المثيرة المبدعة أصبحت من أهم أدوات التسويق العمراني للمدينة. ولقد كان متحف جوجينهايم في مدينة بيلباو الأسبانية من تصميم المعماري الأمريكي فرانك جيري بداية الشرارة لمنهجية جديدة تعيد إحياء المدينة وتسويقها من خلال مبنى واحد يقدم طفرة تشكيلية وجمالية وبصرية في عمران المدينة. واليوم أدركت المدن العربية هذا المعيار وهي تتنافس في استقطاب نجوم العمارة اللامعين لترك بصماتهم على خريطتها المعمارية فاقتربت لمساتهم من الشرق بعد اقتصار إبداعهم على المدن الغربية وتوالى تدفقهم الى الساحة الشرق أوسطية بداية من فرانك جيري وجين نوفيل وتادو اندو ومايكل جرايفز واى ام بي ووصولا إلى زاها حديد وجميعهم يصيغون إبداعاتهم في المنامة والكويت ودبي وابوظبي والقاهرة ودمشق والدوحة.

image

الواجهة البحرية لمدينة الدوحة العاصمة القطرية حيث يبرز مبنى المتحف الإسلامي من تصميم المعماري العالمي اي. ام. بيي I. M. Pei. (تصوير: د. علي عبد الرءوف)

ثالثا: البحث الجاد عن تميز المدينة الطبيعي ، الثقافي ، والإنساني.

قد يكون تميز المدينة من جبال تحيط بها أو أنهار تخترقها أو من وجود المقومات الثقافية رفيعة المستوى وخاصة المتاحف بأنواعها المختلفة وقد تكون بيئات التسوق الجديدة التي تتجاوز الأفكار التقليدية أو من خلال قدرة المجتمع الإنساني بالمدينة على الاحتفال ووجود الفراغات العامة والحياة التي تقدمها المدينة من خلال تلك الفراغات وخاصة من حيث الاحتفالات والمهرجانات والكرنفالات سواء كانت ثقافية أو فنية أو شعبية أو دينية روحانية. وحتى لو كان ما يميز المدينة أسلوب التنقل خلالها كما هو الحال في مدينة فينيسيا الايطالية بقواربها الجندولية الشهيرة أو بالعربات اتلي تجرها الخيول في وسط مدينة فيينا النمساوية أو الحافلات الحمراء الشهيرة وهي تتجول في العاصمة الانجليزية لندن. الهام هو القدرة على إظهار هذا التميز في مشهد صياغة شخصية المدينة والتسويق لها.

image

رابعا: صياغة شخصية للمدينة لها روافد تاريخية وطموحات مستقبلية.

الهدف هو أن يكون المخطط راصدا واعيا لمفردات شخصية المدينة التي يشارك في تخطيطها بحيث تكون عملية تأكيد شخصية المدينة وإعادة تجديدها وتركيبها في صورة جديدة هي عملية ديناميكية مستمرة تساندها المشروعات المعمارية والعمرانية وأنماط الحركة وتميز الاستعمالات وتوزيعها والارتكاز على المرجعية الإنسانية والبيئية للتنمية بحيث تصبح المدينة مدينة للجميع ونموذجا لتنمية مستدامة تستدعي أهمية حقوق الأجيال القادمة وتطلعاتهم.

image

بلاد الخليج، المنطلقة إلى حقبات عمرانية ومعمارية جديدة، تتسابق في صياغة شخصية مدنها بالمتاحف العالمية والتنمية الايقونية والمدن المستدامة (بوستر من إعداد الكاتب).

ملاحظات ختامية

لكي تتمكن إي مدينة من خلق شخصيتها التسويقية يجب ان تبدأ بتقييم صادق لما تملك من مميزات وأيضا أوجه النقص والعوائق ثم محاولة تعظيم تلك المميزات وكما يقول جوماثان جاباي (2009) فان تسويق المدينة ليس فقط عبارة عن شعار مرسوم ولكنه في التفاصيل الدقيقة الصغيرة التي تجعل الشوارع نظيفة ,هي في التفاصيل العميقة التي تجعل قاطني المدينة سفراء لها وفخورين بانتمائهم اليها ، ومن ثم تنتقل الرسائل الايجابية إلى زوار المدينة الفعليين أو الرقميين عبر الوسائط المتعددة الجديدة. ان إنتاج انطباع ايجابي هو فعل جوهري للمدن التي ترغب في الإعلان عن نفسها كمقاصد مختارة للناس سواء للعيش أو العمل أو الترفيه أو الزيارة. ومن هنا تأتي الأوساط الإعلامية كمجال هام لتسويق المدينة وقد استخدمت معدلات ذكر المدينة في الإعلام بكل أنواعه كدلالة على قوة شخصية المدينة وترتيب أهميتها على سلم المدن الأوربية في الدراسة الشهيرة التي أعدتها شركة سافرون للاستشارات عام 2008 لتقييم 72 مدينة أوربية., تكوين شخصية المدينة هو عملية لها مخاطرها ويمكن ان يتسبب في فشل المدينة لان تسويق المدينة يجب أن يعتمد على حقائق وليس تصورات خيالية فيجب ان يشعر الناس بحقيقة الانطباعات والمقومات التي سوقت لهم ، وكذلك يجب إن تكون إستراتيجية المدينة التسويقية متعددة الأبعاد وديناميكية تستجيب لتطورات ثقافية واقتصادية وتنموية. فهل نحلم بان يكون السفر إلى المدن العربية ؛ الدوحة ، القاهرة ، الكويت ، دمشق ، عمان ، المنامه ، تونس ، بغداد ، بيروت ، وغيرهم ، هو حلم أجيال جديدة من المجتمع الإنساني العالمي ترى فيها قيم عالمية متفردة لها قيمتها التسويقية تجعل الناس تتدافع متشوقين الى استكشافها أو العمل بها أو اختيارها موطنا جديدا كما يتوقون ألان جميعا إلى عبق شوارع وميادين وعمارة باريس ولندن وفيينا وجنيف ونيويورك.

المراجع المختارة Selected References

Anholt, Simon . 2009. Places: Identity, Image and Reputation. Palgrave Macmillan.

Dinnie, Keith . 2011. City Branding: Theory and Cases. Palgrave Macmillan.

Florida, Richard. 2008. who’s Your City? Basic Books: New York.

Florida, Richard. 2002. The Rise of Creative Class. Basic Books: New York.

Frank. 2009. Place Branding: Glocal, Virtual and Physical Identities, Constructed, Imagined and Experienced. Palgrave Macmillan.

Kotler, Philip. 1993. Marketing Places. Free Press.

Moilanen, Teemu and Rainisto, Seppo. 2009. How to Brand Nations,Cities and Destinations: A Planning Book for Place Branding.

5 notes

Show

  1. thearabicculturetrain reblogged this from cairobserver
  2. andwidenedeyes said: so then egypt’s problem is that our country’s defining personality is egypt’s past and so we’ll never have a future
  3. cairobserver posted this

Blog comments powered by Disqus