— Neighborhood: Fagala

Neighborhood: Fagala

image

في دائرة الضوء: عندما تتراجع الثقافة لمصلحة الأدوات الصحية

المصدر:الأهرام-الطبعة الدولية

بقلم سيد صالح


الفجالة.ليست مجرد شارع عتيق في منطقة عريقة بل إنه جزء حيوي بحكم الجغرافيا والتاريخ من ذاكرة القاهرة الخديوية وإبان الدولة الإخشيدية، والفاطمية، وفيه أنشأ الخديو إسماعيل سكة الفجالة التي كانت بمثابة نقطة تحول في تاريخها، وفي أوج مجده وعزته في عصرنا الحديث بعد أن عرف هذا الشارع المطابع أصبح مقصدا للثقافة بلامنافس وموردا للإبداع الذي لاينضب في بحار المعرفة، ومكانا مرموقا لإنتاج الأدب المصري والعربي وتعددت فيه المنتديات والمقاهي الأدبية في عصر كان الكتاب سيده والأدباء تاجا علي رأس أمة عرفت الحضارة منذ فجر التاريخ.


وقبل ثلاثين عاما فقط، كان رواد شارع الفجالة الراحلون: عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وأديب نوبل نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويوسف السباعي، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وعلي احمد باكثير، وغيرهم من الكتاب والمثقفين الذين كانوا يترددون علي دور النشر التي تقوم بنشر مؤلفاتهم، أو كانوا يشترون أحدث الكتب من هناك.
الصورة الآن تغيرت.والأحوال تبدلت، فكثير ممن يترددون علي شارع الفجالة حاليا، لشراء الكتب، والأدوات المدرسية، يضربون كفا بكف!والشارع الذي كان مقرا رئيسياً لبيع الكتب في مصر علي الإطلاق، تحول إلي محلات، ومستودعات لبيع الأدوات الصحية، والسيراميك وأطقم الحمامات، والأدوات الصحية.حتي اسم الشارع تغير من الفجالة إلي شارع كامل صدقي!


باختصار. كان شارع الفجالة معرضا دائماً للكتاب طوال العام. لكنها حركة التاريخ التي تؤكد أن دوام الحال من المحال!


بستان المقس

مدخل شارع كامل صدقي”الفجالة سابقاً”كما يقول حمدي أبوجليل مؤلف كتاب”القاهرة.شوارع وحكايات”محاط بثلاثة فنادق عتيقة، هي راديو بالاس، ورمسيس، والشعب، وهي تنتمي جمعياً لأواخر القرن التاسع عشر، وكانت هذه الفنادق تلقي قبولاً لدي القادمين من الصعيد، الراغبين في الإقامة لليلة أو ليلتين، ويبدأ شارع الفجالة من ميدان رمسيس، وهو أكبر ميادين القاهرة، حيث يستقبل ملايين الزوار يومياً، لوجود محطة القطار الرئيسية، وقد بدأ تاريخ شارع الفجالة قبل تاريخ الفتح الإسلامي لمصر، ويقع الشارع علي مشارف بستان المقس”و”المقس”هو اختصار لكلمة المقسم، حيث كان يجري تقسيم الغنائم في تلك المنطقة إبان عهد عمرو بن العاص عندما فتح مصر.ولمن لا يعرف فبستان المقس هو الاسم الذي أطلق علي المسافة التي تفصل بين ميداني رمسيس والعتبة.


وفي بداية عهد الدولة الأموية، كانت الأرض التي يتوسطها شارع الفجالة الآن، تعتبر خارج الزمام(أي خارج سور القاهرة الفاطمية)، فأمر صلاح الدين الأيوبي، وزيره الشهير قراقوش الأسدي بأن يبدأ في بناء سور جديد للقاهرة، حيث جري بموجب السور ضم هذه المنطقة للقاهرة، وكانت بقايا السور موجودة حتي نهاية القرن التاسع عشر بالقرب من شارع الفجالة، ومن ناحية باب الشعرية، كانت بالفجالة قرية تدعي كوم الريش، وقد تحولت إلي تلال عالية، حيث كانت مأوي للصوص، والخارجين علي القانون، حتي جاءت الحملة الفرنسية علي مصر، فقررت تنظيم شارع الفجالة، وأزالت التلال، لكن بقايا التلال ظلت موجودة، حتي جاء علي مبارك وزير الأشغال في عهد الخديوي إسماعيل، وأنشأ مقر السكة الحديد، ومستوصفا طبيا في هذه المنطقة.


الفجالة وزراعة الفجل


وقد أطلق اسم الفجالة علي الشارع والمنطقة منذ ما لا يقل عن مائتي عام، ويرجع الاسم علي أن هذه المنطقة كانت تشتهر بزراعة الخضروات، وخاصة الفجل، أما اسم كامل صدقي فقد أطلق علي الشارع في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وكامل صدقي هو النقيب الحادي عشر لنقابة المحامين، وكان وزيرا بارزاً في حكومة الوفد في عام 1940.
وتذكر كتب التاريخ ان هذا الحي كان عبارة عن قرية اسمها (أم دنين) ولما تولي الامير ابو بكر محمد بن طغج الاخشيدي رأس الدولة الاخشيدية حكم مصر عام 935م قام بتعمير ارضها وأنشأ بستانا سمي البستان الكافوري، اما الخلفاء الفاطميون فقد اتخذوا من الفجالة مقرا للهو وفبنوا فيها المناظر وغرسوا البساتين بل انشأوا السراديب تحت الارض من الأزهر حتي الفجالة، لكي لا يراهم عامة الشعب عند ذهابهم للهو. ويعتبر الأمير سيف الدين المهراني أول من بني جامعا وعمارة ودارا ومسكنا بالقرب من الفجالة وسماها منشأة المهراني، وأطلق اسم الفجالة الحديثة علي هذه المنطقة منذ نحو مائتي عام لشهرة أرضها بزراعة الفجل، وكانت إلي عهد قريب من أكثر المناطق ازدحاما بالمسيحيين ، ويرجع ذلك الي عائلة قطاوي اليهودية التي كانت تمتلك أرضا هناك فباعوها لبعض أعيان الاقباط.
شهدت”أرض الفجالة”في القاهرة المملوكية نمواً لنشاط نسخ وبيع الكتب الأدبية والسير الشعبية والأزجال المصرية موازياً لنشاط شارع الأزهر في نسخ وبيع كتب التراث”وعلوم الدين!بل يمكن القول إنه إذا كانت منطقة الأزهر الشريف قد تخصصت في الكتب الدينية الإسلامية مع بعض الكتب الأخري، فقد تخصصت أرض الفجالة في كتب الأدب والفن والفلسفة مع كتب الديانات والطوائف غير الإسلامية!

ومع دخول المطابع بداية من الحملة الفرنسية، ثم انتشارها في عهد الأسرة العلوية، تحولت هذه “الأرض” إلي “شارع” استطاع أن يحفر لنفسه تاريخاً جديداً، فإلي جوار مكتبات نشر وبيع وتوزيع الكتب، ظهرت محلات بيع الأدوات الكتابية! التي ظلت لوقت قريب مقصدا لسكان القاهرة توفر لأبنائهم مستلزمات طلاب المدارس والجامعات من تلك الأدوات.
والفجالة كانت في الماضي مكانا مزدحما بالناشرين، وكانت المكتبات تتراص علي الجانبين في مشهد مهيب، وأقدم هؤلاء مكتبة نهضة مصر التي تأسست في عام1938، ومكتبة مصر التي أسسها سعيد جودة السحار في عام1934(وهو ناشر نجيب محفوظ)، والمكتبة المصرية التي تأسست في عام1940، وأحدث هذه المكتبات هي مكتبة دار المعارف، والتي افتتحت في الشارع منذ الستينيات، يضاف إلي ذلك مكتبات الغريب، والأهرام، والعهد الجديد، وتحول الشارع إلي ساحة للمكتبات، وانطلقت بها أسرة زيدان الشامية الشهيرة، حيث أسس إبراهيم زيدان مكتبة الهلال أقدم مكتبة بشارع الفجالة في عام1889، وإبراهيم هو ابن عم جورجي زيدان صاحب الروايات التاريخية الشهيرة، ومؤسس دار الهلال للصحافة.


image

شارع الفجالة من الخارج-تصوير:شريف محمود

الشوام واليهود سكنوه

أما سكان الفجالة فكان معظمهم من الشوام، واليهود، ومن أبرزهم عائلة قطاوي اليهودية، والتي كانت تمتلك جزءاً كبيراً من ارض الشارع، كما أن من ابرز الشخصيات التي أقامت به السيدة روزا اليوسف، والتي أسست فيما بعد دار روزا اليوسف للصحافة ومقرها شارع قصر العيني، وربما يعود ذلك لكون الموقع الجغرافي للشارع متميزا، فهو علي بعد خطوات من قلب القاهرة، حيث حي الأزبكية بحدائقه ومسارحه، وشارع عماد الدين، وشارع كلوت بك بملاهيه ومقاهيه، إضافة لوجود الشارع ضمن نطاق حي الضاهر، الذي أنشأه الظاهر بيبرس، كحي متميز للنخبة الإجتماعية، بمبانٍ فخمة، وبعدد من المعابد والكنائس للطوائف الدينية، كل ذلك أعطي للفجالة خصوصية الرخاء والإزدهار الذي يتولد عادة من التنوع الإجتماعي والفكري

ذهبنا إلي أحد سكان منطقة الفجالة، وهو عاطف جورج، والذي يقيم فيها منذ عام 1974، ويصف لنا حال المنطقة، الذي تبدل بمرور السنوات، فقد كان الشارع هادئا، ومعظم سكانه من الشوام، واليهود، وفضلاً عن نظافة المكان، وبعد السادسة مساء كان الشارع يدخل في حالة من الهدوء العميق، ثم تبدأ حركة السكان في اليوم التالي، وكان معظم من يترددون علي شارع الفجالة يأتون لشراء الكتب، أو لطباعتها، حيث كانت المنطقة تضم العديد من المطابع.
وفي أواخر الستينيات من القرن الماضي، نشأت لوكاندة”فونتانا”وكان معظم نزلائها من الروس، والإسرائيليين، وكان سعر الليلة لا يتجاوز الــ14جنيهاً، وحالياً وصل سعر المبيت لليلة واحدة فيها إلي نحو55دولاراً، أو ما يعادل258جنيها مصرياً.


بداية الانقلاب علي الكتب

وشارع الفجالة، كما يتذكر عاطف جورج، كان منارة للثقافة، ومقراً للعديد من المكتبات، والمطابع، حتي تراجعت الثقافة لصالح تجارة السيراميك، والأدوات الصحية، والتي بدأت بصورة طفيفة في الستينيات من القرن الماضي، حيث كانت تضم ستة من المقاولين السباكين( الذي يتعاقدون علي تنفيذ أعمال السباكة في العمارات، والمباني السكنية) ومن أبرزهم أديب، وزكي شاروبيم، وأبناء سعد حنا، وإخوان مقار، وحامد مصطفي، وعبد الحميد رشوان، وعطا لله، وبولس لوقا (المقلب آن ذاك بملك الزهر في الفجالة).

وقد تزامنت سوق الكتب في الفجالة مع نشأة سور الأزبكية، ومعها أقيمت المكتبات، التي صارت سمة مميزة لشارع الفجالة دون غيره، حيث كان ولا يزال عدد كبير من المثقفين، والباحثين عن الكتب المدرسية الخارجية، والأدوات المكتبية يرتادون هذا الشارع، وإن كان عدد المكتبات قد انخفض، ومعه انخفض عدد المترددين علي الشارع، بعد أن طغت تجارة السيراميك، والأدوات الصحية علي النشاط التجاري بالشارع.

غادرنا عاطف جورج، وانطلقنا في مختلف شوارع منطقة الفجالة، حيث يقع عدد من البيوت العتيقة الخالية من سكانها، وقادتنا أقدامنا أنا ومصور الأهرام إلي شارع لينان باشا، حيث يقع مسجد عامر، وهو أقدم مساجد الفجالة علي الإطلاق كما ذكرنا، وقد بني منذ 59 عاماً، وجري تجديده من الخارج عدة مرات، حيث تم طلاء أبوابه، وشبابيكه، وحوائطه، ويتم فتحه أمام المصلين في مواعيد الصلاة فقط.

في شارع لينان باشا، وبالقرب من مسجد عامر، يجلس الحاج إسماعيل عبد الفتاح أمام ورشة تشغيل المعادن، وتبدو تجاعيد الزمن علي وجه الرجل، فهو من مواليد شارع قصر اللؤلؤة بالفجالة في عام1947م، ومن هذا التاريخ وهو لم يغادرها، ويسترجع الحاج إسماعيل تاريخ الفجالة من ذاكرته، حيث يقول إن الشارع كان يضم مكتبات، ومطابع، وخمارات، فقط لقربه من شارع”كلوت بك”الشهير الذي كان يرتاده بائعات الهوي، وراغبو المتعة الحرام، وبين هذا الكم الضخم من المكتبات كانت تقع محلات السباكة، وبدأت المنطقة تتوسع في تجارة الأدوات الصحية لقربها من منطقة السبتية، وهي المصدر الرئيس للأدوات الصحية المصنوعة من الزهر.


السيراميك في مواجهة الثقافة

أما كيف استوطنت محلات السيراميك في منطقة الفجالة، فتفسير ذلك لدي الحاج إسماعيل عبد الفتاح أن المحلات كانت رخيصة السعر، وإيجارها لا يتجاوز الأربعة جنيهات شهرياً، وكان تجار السيراميك يغرون المستأجرين من أصحاب الحرف، والأنشطة البسيطة، فيدفعون”خلو رجل”يتراوح بين10آلاف جنيه، و15ألف جنيه للمحل حسب مساحته، وعمر المبني، وبدأت تجارة السيراميك تنشط شيئاً فشيئاً حتي حاصرت تجارة الكتب، وانحسرت معها أعداد المكتبات، والآن وصل سعر المحل في الفجالة علي مليون جنيه، أو ما يزيد علي ذلك بحسب الموقع، والمساحة، وحالة المبني، وبعد أن كان عدد محلات الأدوات لصحية لا يتجاوز ستة محلات في المنطقة، وصل حالياً علي أكثر من400محل، في مقابل ما لا يزيد علي50أو60محلا لبيع الكتب.


مستقبل الفجالة في خطر

غادرنا شارع لينان باشا، وتركنا الحاج إسماعيل لنعود إلي شارع الفجالة، حيث المبني رقم 37 من الشارع، هناك تقع مكتبة مصر الشهيرة، التي أسسها سعيد جودة السحار في عام 1931م، وهناك يسترجع أمير السحار ( وعمره 71 عاماً)، وهو أحد أصحاب المكتبة، ما كان عليه الشارع في الستينيات من القرن الماضي، حين كانت الفجالة كلها عبارة عن مقاه، ومكتبات، وخمارات، ومحلات للحلاقة، ومحلات بيع وإصلاح الساعات، وقد باعها أصحابها لمحلات الأدوات الصحية والسيراميك، بسبب الإغراءات المالية التي تعرضوا لها، فحصلوا علي المال، وقاموا بشراء محلات بأسعار اقل في مناطق أخري، ومن ثم أصبحت الفجالة سوقاً رئيسية لتجارة السيراميك في القاهرة، أما المكتبات فحالها يدعو للأسي، حيث تراجعت أعدادها علي الربع تقريباً بسبب زحف تجارة السيراميك، والأدوات الصحية علي نشاط تجارة الكتب.
وحتي لانكون من أولئك الذين يبكون علي أطلال الماضي أو نقف في وجه حركة تطور تبدو طبيعية، بحكم الحاجة، يبقي علينا في نفس الوقت ألا نتجاهل “القيمة” قيمة الأثر التاريخي والعلمي لبعض الأشياء بما يدعو لحمايتها وتمييزها استثناءً من قانون العرض والطلب وحتي لايتوه منا الطريق فلننظر قليلا للوقائع المماثلة في الداخل والخارج وعلي سبيل المثال وليس الحصر: تمتعت بعض الأماكن المماثلة لحماية وزارة الثقافة المصرية، كما حدث مع شارع “خان الخليلي” في القاهرة القديمة من حماية لتجارة البازار السياحي في أوروبا الحديثة حيث تتفنن البلديات في منح إمتيازات للأنشطة ذات البعد الثقافي والسياحي والتاريخي علي حساب أنشطة السوق التجارية التي توجه لأماكن جديدة ومجمعات صناعية وتجارية متخصصة!
ومن هنا يجب علي وزارة الثقافة بالتعاون مع المحليات أن تتشدد في شروط الترخيص والتجديد للأنشطة الصناعية والتجارية البعيدة عن النشاط المميز للشارع وتمنح في نفس الوقت بعض التسهيلات التي تضمن إستمرار أنشطة نشر وبيع الكتب حتي تظل”الفجالة منورة بأهلها”

Blog comments powered by Disqus